Taroudant24 - تارودانت 24 الإخبارية جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة Taroudant24 - تارودانت 24 الإخبارية جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة
آخر الأخبار

آخر الأخبار

آخر الأخبار
آخر الأخبار
جاري التحميل ...

berhil24 فيلم "كازابلانكا" .. تحفة فنيّة تُقاوم الزّمن وتبهر المشاهدين

فيلم "كازابلانكا" .. تحفة فنيّة تُقاوم الزّمن وتبهر المشاهدين
76 عاماً مرّت على ظهور فيلم "كازابلانكا" و61 عاماً على رحيل بطله الأسطوري حيث أصبح هذا الفيلم من أشهر إنتاجات هوليود أوائل الأربعينيات من القرن الفارط، عاد الحديث عنه في مختلف الأوساط الأدبية، والنقدية، والسّينمائية في أوروبا وأمريكا على وجه الخصوص؛ إذ في 14 يناير من عام 1957 توفي بطل هذا الفيلم همفري بوغارت بعد أن بصم على الشاشة الكبيرة إحدى أكبر الأساطير الرومانسيّة في تاريخ الفنّ السابع، وبعد أن خلّف لنا عشرين فيلماً دخلت برمّتها تاريخ السّينما العالمية من أوسع أبوابها، وفى طليعتها فيلم "كازابلانكا" ذائع الصّيت الذي بَهَر عشّاق الفنّ السّابع، وسَحَر المشاهدين جيلاً بعد جيل، وساير وعايش كلّ عصر، وأصبح - نتيجة النجاحات المتوالية التي حققها منذ ظهوره أوّل مرّة عام 1942- تراثاً إنسانياً مشتركاً في عالم السينما السّاحر.

هذا الممثل ذو الملامح الجادّة، والقسمات القاسية، والنظرات الثاقبة، والطبع الجافّ بغضّ النظر عن العشرين فيلماً الأخرى التي مثّل فيها دور البطولة، فإنّ فيلم كازابلانكا هو الذي جعله يتدثّر بأردية الرومانسيّة الحالمة في أبهىَ صورها عندما يقع في غرام الممثلة السّويدية الرّقيقة ذات الحُسن الباهر، والجمال الظاهر إنغريد بيرغمان، والذي كان يُهدّئ من رَوْع تباريحه، ويداري حدّة معاناته في حبّها في إحدى قاعات الليل المُهيّأة للحفلات في مدينة الدار البيضاء بالمغرب.

وحد وستّون عاماً مرّت على رحيل هذا الممثل غريب الأطوار، وستة وسبعون عاماً على ظهور هذا الفيلم الذي ما فتئ يخطف أنظار المشاهدين، ويحصد إعجابهم إلى اليوم، وقد حزّ في قلوب عشّاق الفنّ السّابع عندما رأوا البيانو الشّهير الذي كان يتوسّط الصالون الكبير لمقهى "ريك" بالمدينة البيضاء الذي كان يعزف عليه "ديلي ويلسون" أغنية "يجب ألاّ يَعزُبَ هذا عن بالك، قُبلة إنما هي مُجرد قُبلة" قد زُجّ به بين بضائع قديمة، وكراكيب مهترئة ليباع في المزاد العلني.

كِتَابُ السّينما!

"كازابلانكا" الفيلم الأسطوري الذي ما انفكّت تزيده مرور الأيّام إشعاعا وتألّقا، ما زال يلهب مشاعرَ المشاهدين في مختلف أنحاء العالم، وينال إعجاب الناس وإقبالهم عليه بشكل ليس له نظير في مختلف فنون الخلق والإبداع الأخرى، حتى أصبح هذا الفيلم في عُرف النقّاد وصُنّاع السينما والمُغرمين به بمثابة "كِتَاب السّينما المقدّس" في تاريخ هذا الفنّ الجميل.

في هذا السياق، يتساءل الناقد السّينمائي الإسباني "خابيير كورتيخو": كيف يُعقل أنّ فيلما كُتب بطريقة عفوية ارتجالية على عجل، قد تحوّل إلى "كتاب السينما المقدّس"؟ وكيف يمكن لفيلم وُلد من رحم عمل مسرحي؛ إذ هو مُستوحىً من مسرحية "الجميع يؤمّ مقهى ريك" لمُورَايْ بَارنيت وجون أليسون، أن يتحدّى مرور الزمن، وأن يتأقلم مع مختلف تقاليع الموضة والتيّارات والميول المستجدّة والمتواترة، بل وحتى مع بعض التأويلات الملتوية، ليخلد في ذاكرة تاريخ السينما في العالم؟ كيف أمكن لموسيقاه أن تظل خالدة ولا يمرّ عليها الزّمن؟

وكيف أمكن لنبل المشاعر، ونبض الأحاسيس التي تترى بدون رتابة أو ملل في هذا الشريط أن تظلّ نصب أعيننا إلى اليوم؟ كيف أمكن لوجه إنغريد بيرغمان الصّبوح أن يظلّ مشعّاً وضّاءً، سَمْحاً وساحراً على مرّ السنين؟ الأمر يبدو كما لو كان قد مسّته مسحة أو مسّ من سرّ أو سحر، أو غلفته معجزة مّا. ماذا وراء هذه الفُرجة المرئية الحالمة المثيرة؟

هذه الميلودراما التي تحفل بالومضات والجمل التي لا يمكن محوها من الذاكرة، والتي لا نتعب أو نملّ من مشاهدتها أو تردادها المرّة تلو الأخرى. ربما هذا هو السّبب الذي حذا بالعديد من النقاد والمشتغلين بالسينما في العالم عند حديثهم عن هذا الفيلم، وعن النجاحات الكبرى المتوالية التي حصدها على امتداد العقود السبعة التي مرّت عليه، إلى القول بأن هذا الفيلم قد أصبح في عرفهم "تراثا عالميّاً للبشرية جمعاء".

رقّة وخشونة

يُعتبر فيلم "كازابلانكا" من أجمل الأفلام الفريدة في تاريخ السينما الأمريكية التي جسّدت الرومانسية الحالمة لقصّة حبّ عارمة إبّان الحرب العالمية الثانية، وقد جمع الشريط بين نعومة ورقّة إنغريد بيرغمان، وخشونة وغلظة همفري بُوغارت، وأصبحت العديد من الجُمل والتعابير التي نطقها البطلان في الفيلم تشكّل إرثاً حيّاً في الثقافة اللغوية الشعبية داخل أمريكا وخارجها، مثل عبارة: "اعزفها يا سام" أو عبارة: "دائماً تبقى لنا باريس"، دخلت هذه الجمل والتعابير اللغة، واستقرّت في لسان الاستعمال اليومي في العالم الناطق باللغة الإنجليزية، بل وفى سواها من اللغات الأخر، وأصبحت ذات كيان أو هويّة لغوية لها دلالات خاصة بها بعيداً عن سياق استعمالها في الشريط.

ففي مناسبتين مختلفتين ومتباعدتين من الفيلم، يطلب البطلان من "سام" (ديلي ويلسون)، كلُّ واحدٍ منهما على انفراد، عزف المقطوعة الموسيقية الساحرة نفسها (انسياب الزّمن أو مروره) على "البيانو" الذي كان يتوسّط مقهى "ريك" في قلب مدينة الدار البيضاء المغربية.

في المناسبة الأولى تطلب البطلة (بيرغمان) من "سام" العزف، كما ترجو منه أن يغنّي استذكاراً واستحضاراً للزّمن الجميل الذي ولّىّ وانقضى ولن يعود.

وفي مناسبة أخرى يطلب البطل (بوغارت) من "سام" عزف المقطوعة ذاتها؛ حيث يقول له وهو يستشيط غضباً: "لقد عزفتها لها، والآن عليك أن تعزفها لي أنا كذلك، إذا كانت قد استطاعت أن تتحمّل ثقل الوطأة عليها، فأنا بمقدوري أن أتحمّل ذلك أيضاً". ثم تنطلق الموسيقى تصدح منسابة رخيمة في فضاء وجنبات المقهى الكبير.

دائماً تبقى لنا باريس

عبارة "ودائماً تبقى لنا باريس" أضحت من أشهر العبارات التي ما فتئت تُستعمل جيلاً بعد جيل، وتلوكها الألسن حتى اليوم كناية عن اللحظات الحلوة، والهنيهات السعيدة المعاشة. وهي العبارة التي ينطق بها "ريك" (بوغارت) إلى "إلسَا" (بيرغمان) عندما يهمّ لوداعها معبّراً عن حسرته، وألمه، وحنقه لفراقها، لفراق هذا الحبّ المستحيل الذي نما وترعرع في فرنسا في ظروف وملابسات صعبة ومريرة إبّان غزو النازيين لهذا البلد حيث تعرّف البطل على خليلته في عاصمة النور باريس. وكانت "إلسَا" تشعر بالحيرة والضياع بين حبّها لزوجها زعيم المقاومة التشيكية وتعلقها بريك.

لقد صنّف معهد السينما الأمريكية في مناسبات شتّى فيلم "كازابلانكا" ضمن قائمته كأحسن الأفلام التي تضمّنت أجملَ العبارات، وأرقَّ الجمل في تاريخ السينما الأمريكية، وفي مقدّمتها عبارة "اعزفها يا سام"، بل إنّ المخرج الشهير "هودى آلن" قد وضع فيلماً عام 1972 يحمل عنواناً بالعبارة نفسها؛ حيث يتلقّى البطل في هذا الشريط النصائح من "همفري بوغار" خيالي، إلاّ أنه أوردها كما يلي: "اعزفها مرّة أخرى يا سام".

حرب وجاسوسيّة وتباريح الجوَى

يبدو هذا الفيلم في البداية كشريط يدور موضوعه عن الحرب والجاسوسية لإثارة الحماس، وتأصيل وبثّ حبّ الوطن لدى المواطنين الأمريكيّين في زخم الحرب العالمية الثانية؛ حيث يظهر البطل (بوغارت) وكأنّه في البداية لا يريد أن يحشر نفسَه في هذا النزاع انطلاقاً من مدينة الدار البيضاء (كازابلانكا)، إلاّ أنه في الأخير يتخلّى عن محبوبته لصالح مناهضة الفاشية.

على الرغم من مضمون الفيلم الأيديولوجي ومحتواه الحربي، إلاّ أنّ شريط (كازابلانكا) يتذكّره الجميع كفيلم يدور موضوعه عن الرومانسية الحالمة، وتباريح الجوى، والصبابة، والحب الشفيف، وكأنّ الفيلم قد غدا في نظر كثير من المشاهدين قصيدة، أو قصّة حبّ مصوّرة يحفظها العشّاق عن ظهر قلب (وعن ظهر عين!) من جيل إلى جيل في مختلف أنحاء المعمور.

فلا عجب إذن إذا احتلّ هذا الفيلم الرتبة الأولى في قائمة "المعهد الأمريكي للسينما" كأعظم قصّة حبّ في تاريخ السينما الأمريكية. كما يحتلّ هذا الشريط الرتبة الأولى كذلك كأحسن سيناريو سينمائي حسب "نقابة كتّاب السيناريو" في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تفوّق "كازابلانكا" حتى على أفلام عالمية شهيرة أخرى مثل "العرّاب" و"شيناتاون" و"مواطن كين".

هذا الشريط الذي هو من إخراج "مايكل كرتيز"، حصد ثلاث جوائز الأوسكار، منها أوسكار كأحسن فيلم، وأحسن إخراج، وأحسن سيناريو، حتى وإن لم يحصل أيّ من الممثلين العمالقة الذين شاركوا فيه على هذه الجائزة الكبرى في عالم الفنّ السابع.

وبمناسبة مرور سبعة عقود ونيّف على هذه التحفة السينمائية الرائعة، كانت قد أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية فعاليات الاحتفال بالذكرى السبعين لعرض هذا الفيلم لأوّل مرّة عام 1942، بتقديمه في مسرح "وارنر" التابع للمتحف التاريخي الأمريكي بواشنطن. كما كانت مؤسّسة " وارنر بروذرس" قد أخرجت طبعة خاصة جديدة محدودة من هذا الفيلم وطرحتها في مختلف المدن الأمريكية مصحوبة بشريطيْن وثائقيْين حوله تمّ عرضهما في الأسواق لأوّل مرّة كذلك. بالإضافة إلى مطبوعات تتضمّن أخباراً، وصوراً، ومشاهدَ لم يسبق نشرها أو مشاهدتها من قبل حول هذا الفيلم.

مقهى ريك..!

المقهى الأسطوري "ريك" الذي دارت بداخله أحداث فيلم كازابلانكا العاطفي المثير لم يعد خيالاً في مخيّلة المشاهدين الذين شاهدوا واستمتعوا بهذا الفيلم الأمريكي منذ 75 سنة خلت، والذي ما زال يعيش بين ظهرانينا حتى اليوم، بل إنّ هذا المقهى قد أصبح حقيقة ماثلة نصب أعيننا بعد أن قرّرت مواطنة أمريكية تدعى "كاثي كريغر" عام 2004 افتتاح مقهى كبير في قلب مدينة الدار البيضاء يحمل اسم المقهى الرومانسي "ريك"، الذي كان يمتلكه ويديره في فيلم كازابلانكا مواطن أمريكي، وهو بطل الفيلم ريك (همفري بوغارت).

وكانت هذه المواطنة الأمريكية تعمل من قبل بسفارة بلادها في المغرب، وبعد انتهاء مهمّتها في السلك الدبلوماسي قرّرت القيام بهذه المغامرة الاستثمارية الكبرى التي كلفتها ما يناهز المليون دولار.

المقهى الذي رآه المشاهدون في الفيلم كان قد أقيم في الحقيقة في أحد استوديوهات هوليود. وكان السيّاح الأوروبيّون، وبشكل خاص الأمريكيّون الذين يزورون الدار البيضاء، لا يجدون أثراً لهذا المقهى للاستمتاع بأجواء هذا المكان الأمريكي السّحري الحالم الذي رأوه في فيلم كازابلانكا وهامُوا به، وها هي ذي الأسطورة تصبح اليوم حقيقة، وينزل الخيالُ من عليائه إلى أرض الواقع، وها هو ذا مقهى "ريك" الجديد قد عاد وفتح أبوابه مرّة أخرى على شاكلة المقهى القديم نفسها، محتفظاً بأجوائه الرومانسيّة، وبرونقه، وبهائه، وأصبح يؤمّه العشرات من الزوّار كلّ يوم.

ولا عجب إذا كان معظم زوّاره أو روّاده في المقام الأوّل من المواطنين الأمريكيّين، كما يؤمّه زوّار من جنسيات أخرى من مختلف أنحاء العالم وهم يحتسون فنجانَ قهوة، أو يشربون كأسَ شايٍ مُنعنع، أو يتناولون شراباً حُلواً أو مُرّاً، وهم يحدّقون، وينظرون بإعجاب إلى الصّور الكبرى (أبيض وأسود) التي تعلو جدرانَه المخمليّة لبطليْ الفيلم إنغريد برغمان، وهمفري بوغارت، وسواهما من الممثلين الذين شاركوا في هذه التّحفة السينمائيّة الفريد التي ما انفكّت تملأ قاعات العرض السينمائية في مختلف أرجاء المعمور إلى اليوم.


*عضو الأكاديمية الإسبانيّة - الأمريكيّة للآداب والعلوم - بوغوطا- كولومبيا


عن الكاتب

تارودانت 24

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

Taroudant24 - تارودانت 24 الإخبارية جريدة إلكترونية مغربية متجددة على مدار الساعة