Taroudant 24 - جريدة تارودانت 24 الإخبارية Taroudant 24 - جريدة تارودانت 24 الإخبارية

آخر الأخبار

آخر الأخبار
جاري التحميل ...

صحافي سوداني يروي مشاهداته في المغرب .. مدينة "الربط والضبط"

صحافي سوداني يروي مشاهداته في المغرب .. مدينة "الربط والضبط"

الرباط، أجيئها للمرة الأولى مساءً... في تلك الليلة، كانت الأمطار تهطل بغزارة، وبشكل متقطع، ومستمر؛ إلى أن تنفس الصبح، وجلى المكان، وأشرقت الشمس، وصفت السماء، وتنفخت السحب، وتألقت الأشجار والزهور، وبدأت المنازل تفرغ ما بجوفها من الأطفال والرجال والنساء وتدفعهم إلى الطرقات دفعا!

ويبلغ سكان مدينة الرباط حوالي مليون ونصف المليون نسمة، يعمل جزء منهم في الإدارة العمومية والخدمات والتجارة والأشغال والصناعة.



وغالبا ما يتناول سكان الرباط وجبة الإفطار في المحلات والمقاهي باكراً، وهم على عجل، ويفطرون بصورة أساسية بالشاي الأخضر بأوراق النعناع أو(الشِيبة) أو دونهما، (براد أتاي مشبر)، وزيت الزيتون (العود)، وجٌبنة (لفاشكري) وبيض، إضافة إلى (المسمنة) وهي قطعة فطيرة محمصة ومدهونة بالسمن، وأحيانا (الحرشة) والأخيرة هذه خبيز صغير الحجم دائري الشكل يُدهن بالشكولاتة أو العسل.

المدينة فيها شبكة ترام حديثة، فائقة السرعة، دقيقة المواعيد، تربط الأجزاء الحيوية في المدينة، إضافة إلى الباصات (توبيس) والتاكسيات الزرقاء المنتشرة في الأزقة والطرقات في كل الأوقات.

الحاضر والتاريخ

الرباط مدينة قديمة وحديثة في آن واحد، يرجع تأسيسها إلى المرابطين والموحدين، تتميز بقلاعها وأحصنتها العالية التي لا تزال صامدة حتى اللحظة، ويوجد فيها القصر الملكي الكبير والبرلمان وعدد من الجامعات والمعاهد ومقرات البعثات الدبلوماسية والشركات والمنظمات الدولية.. جدران مبانيها متنوعة الألوان والأشكال والتصميمات، بخلاف مدن أخرى كمراكش وشفشاون التي تتميز بتنسيق في الألوان والحفاظ على هويتها البصرية.

توجهت إلى (باب الأحد) وهو سوق كبير مشهور في الرباط، يوجد فيه كل ما يخطر في بالك (من الأناناس وإلى الألماس!)، تجولت فيه بلا هدف مسبق، استطلاع ليس إلا، وتهت في أذقته الضيقة والمتشابهة، إلى أن وجدت نفسي أمام عربة لبيع (الببوش)وهو حلزون مسلوق مضاف إليه توابل وبهارات، يقصده الكثيرون، فقصدته، واحتسيت ماؤه وأكلت جوفه ورميت صَدفُه... وقال لي البائع: هل من مزيد؟ قلت كفى!

المعيشة في الرباط غالية نسبيا مقارنة بالدار البيضاء وأكادير، من ناحية كراء المنازل، والتنقل، والخدمات...!

قادني الطريق إلى مؤسسة عريقة ورائدة، وهي المكتبة الوطنية، أدهشني دقة التنظيم والفضاء الشاسع، وتكنولوجيا البيبلوغرافي، إذ تصل مساحتها إلى 20 ألفا و832 مترا مربعا، متعددة الأجنحة والمحلقات والطوابق، وهي رائعة التصميم وغزيرة بالكتب الحديثة والقديمة، والوثائق والمخطوطات النادرة، موظفوها على قدر عال من الثقافة واللطافة، فضاء مهيأ تماما للتحصيل العلمي، يقصده المئات من الباحثين وطلاب المعرفة المغاربة والدوليين، من الاثنين إلى السبت.

ويعتبر يوم الجمعة يوم عمل رسمي في المغرب، إذ تكون العطلة يومي السبت والأحد من كل أسبوع، بالرغم من أن يوم الجمعة لدى المغاربة يوم مهم وليس كسائر الأيام ويرتبط بطقوس خاصة؛ أبرزها لبس (الجلابة) للصلاة، والتطيب والتصدق على المساكين، ووجبة الغداء التي يحرصون على أن يجتمعون عليها، وتتشكل غالبا من قصعة (الكسكس) باللبن، والتحلية بالفواكه والمكسرات والشاهي الأخضر المنعنع.

إن حضور الشاي الأخضر وأهميته في حياة المغاربة لا يقل عن أهمية الماء والهواء، له طقوس خاصة ويومية، بداية من تحديدهم لنوع وجودة أوراقه (وغالبا ما يختارون الصيني الممتاز)، ويفضلون السكر المكعبات، واختيار الأواني النيكل والنحاس المزينة والمحفورة والمرسومة بدقة متناهية، والكؤوس الزجاجية الصغيرة والقصيرة... إنهم يرفعون براد الشاهي قرابة المتر من الطاولة أو بأقصى ارتفاع ذراعهم، ويُصّبون الشاهي من الأعلى، ويأتي هابطاً كأنه من السماء! في شكل خيط مستقيم مخلفاً صوت فقاعات ورغوتاً بيضاء وبلورية تعلق في قمة الكأس وأطرافه.

في بدايتي، كنت أستغرب من تلك الطقوس والحركات وأراها مضيعة للوقت وعبث. أما الآن، فأنا لا أشرب الشاهي الأخضر إلا بتلك الطريقة!، رغوة الشاي ضرورية خاصة عند أهل الصحراء، لماذا؟ فوظيفتها حبس الغبار والأتربة الناعمة، والحيلولة من وقوعها في الكأس، لأنهم يعدونه جلوسا في الأرض وعلى الرمل في الفيافي والواحات.

ويبدأ دوام المصالح الحكومية والخاصة في المغرب من الساعة التاسعة صباحا وحتى الثانية عشرة ظهراً معها تُغلق للغداء والاستراحة، ويستأنف العمل من الثانية حتى الخامسة مساء. ومن خلال تعاملي مع إدارة عدد من المؤسسات المغربية الحكومية، رأيت أن معاملاتها فيما يتعلق بـ (إنجاز الخدمات واستخراج الوثائق) تتسم بالسرعة في التنفيذ والوضوح في الإرشادات، وبشيء من الصرامة؛ لكنها ليست بالبيروقراطية العقيمة.

الخدمة المدنية في المغرب ليست بالمترهلة كما في عدد من الدول العربية، هنالك التزام في المواقيت والانجاز والمتابعة والتقييم. ويشتكي المغاربة من الفساد والحكومة كذلك تشتكي! ويقولون إنهم تضرروا كثيراً ومنه زاد الغني غِنى والفقير فقراً، ومؤخراً خصصت المصالح الأمنية المغربية للمواطنين خطاً هاتفياً للتبليغ الفوري عن حالات الفساد والرشاوى التي يرصدونها.

الرباط أو مدينة الأنوار لا تمثل العاصمة الإدارية للمملكة فحسب بل الثقافية والعلمية أيضا مناصفة مع مدينة فاس العريقة، مدينة لا تعرف النوم باكراً، تستيقظ فيها المسارح وتتوهج فيها الأندية وجلسات السمر والموسيقى الأندلسية والشرقية حتى الساعات الأولى من الصباح.

وتحتضن الرباط عددا من الفعاليات والمهرجانات الدولية الموسمية، كمهرجان (موازين) للموسيقى العالمية، ومهرجان (الجاز)، وعدد من الفعاليات الجهوية والوطنية كمهرجان (الشموع) لإحياء ذكرى ابن حسون بسلا، وغيرها من المؤتمرات والأوراش الدولية.

ما زلت أتجول وأتمشى، ويتأكد لي يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر أن المغرب سرٌ لا يمكن اكتشافه، وحبٌ يستهويني عذابه!... الآن في صومعة حسان التي شيدها السلطان يعقوب المنصوري الموحدي، وبداخله قبر الملك الراحل محمد الخامس ويجاوره قبر الملك الحسن الثاني، محاطة بالزخارف الذهبية، في خارجه أجد نفسي محاطا بين حوالي أربعمائة عامود وركيزة رخامية موزعة في باحة الصومعة، وأمامي مئذنة مربعة غير مكتملة، إذ تأثر البناء بزلزال في العام 1755م، وما زال يؤثر الزوار في العام 2018م!

وأشجار الجاكرندة في شوارع الرباط مباركة، فهي تزهر في شهر مايو، حين يكون الربيع قد بث روعته وأعطى كل ما عنده! ...

تجولت في شوارع وأحياء (أكدال) و(فرنسا) و(العرفان) (وباب الرواح) و(شالة) و(حي الليمون) و(النهضةـ المنظر الجميل) و(حي الرياض) و(سلا) و(القامرة) و(تمارة) و(الحي الجامعي مولاي إسماعيل) و(الحي الدولي) ...وزرت مقر نادي الوداد الرياضي وحي السفارات وعددا من الأسواق الشعبية وغير الشعبية! ...

وفي أحد أيامي في الرباط، وقف الترام بي أمام كنيسة القديس بطرس الكاثوليكية في ساحة الجولان، وهي تحفة معمارية مذهلة مذهلة!، تمثل مقر المجتمع المسيحي الرئيسي في مدينة الرباط، وجدير بالإشارة أن هنالك مغاربة يعتنقون الدين المسيحي، وهم أقلية ولا يجهرون بذلك! ...

ويمكنني القول إن إنسان الرباط بسيط ومعقد في الوقت نفسه!، مختصر لمحطيه، منغمس في عمله، مثابر، لا يبادر لتقديم المساعدة إلا إذا طلب منه، هادئ، مسالم، قليلا ما يغضب، كثيراً ما يفكر، كتوم، المادة عنصر أساسي وحاسم في حياته، يحدد سلفا مسارات إنفاقها، الاهتمام بمظهره رقم واحد وهو رأسماله!

واهتمام المغاربة بمظهرهم شيء ضروري، ولا يقع في خانة الترف أو الخصوصية في المناسبات والأعياد، أراهم يبالغون فيه، وهم يرونه عكس ذلك. ومن شدة اهتمامهم بمظهرهم يصعب عليك أن تفرّق بين غنيهم وفقيرهم، صغيرهم وكبيرهم، بين الرئيس والمرؤوس!

وهم متفتحين أيضاً... ويتّهم كثير من سكان المدن المغربية الأخرى، الرباطيين بأنهم (يُودرون)عابري السبيل، أي إذا ما سأل شخص غريب عن مكان ما في الرباط فإنهم عنوة يوصفون له مكانا خاطئاً، ويستمتعون بذلك!

الحديث عن الرباط لا ينتهي، كفى هكذا، أنا الآن أتوجه إلى سوس العالمة إلى مدينة الانبعاث، إلى القصبة والوادي..

*صحافي سوداني مقيم بالمغرب

عن الكاتب

هيئة التحرير

Ouled berhil – أولاد برحيل- 24 – جريدة إلكترونية مغربية


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Taroudant 24 - جريدة تارودانت 24 الإخبارية