Taroudant 24 - جريدة تارودانت 24 الإخبارية Taroudant 24 - جريدة تارودانت 24 الإخبارية
Advertisement
آخر الأخبار

آخر الأخبار

آخر الأخبار
آخر الأخبار
جاري التحميل ...

الباحث علي هرماس يكتب عن زمن المجاعة والأوبئة بتارودانت ” الجزء الثاني “

الباحث علي هرماس يكتب عن زمن المجاعة والأوبئة بتارودانت ” الجزء الثاني “

الباحث علي هرماس يكتب عن زمن المجاعة والأوبئة بتارودانت ” الجزء الثاني “

من زاوية تحليل مغايرة لظاهرة المجاعة التي شهدتها تارودانت خلال القرن العشرين ، ظل رغيف الشعير الذي ينضج فوق الكانون بالحطب، ويسقى بزيت الزيتون الخالص أو يدهن بالزبدة الطبيعية من أصل حيواني الى جانب الأتاي، ظلا يجسدان قوة الصبر ودرجة التحمل وأنفة الكرامة الشخصية، كما يشكلان ملجأ سد الرمق وقت المخمصة والمسغبة؛ للتذكير المتداول المعتاد في التغذية الرودانية والسوسية عامة مند القدم الى حدود منتصف القرن الماضي، هو الشعير غذاء للإنسان وعلف للحيوان، ولم تشهد عوائد طبيعة دقيق تحضير الخبز تعديلا، الا نهاية الحرب العالمية الثانية مع نزول القوات الأمريكية فوق التراب المغربي. ذكرت الحبوب فقط، اعتبارا لمكانة الخبز فوق المائدة المغربية مند القدم الى الآن، والا فجميع العناصر اليوم من خضر وفواكه ولحوم لم تسلم من الاستخدام المكثف الغير المعقلن للمبيدات ، وهذا وجه آخر من أوجه التاريخ يعيد نفسه مع الأمراض الفتاكة كالسرطان cancer، للأسف ليس اليوم بعلة المجاعة ولا سوء التغذية، ولكن بسبب التغذية السيئة   !!!

Reynold Ladreit de Lacharrière فرنسية تعمل لحساب مجتمع الجغرافيين الفرنسين بنورماندي ، في ظرفية زمنية محفوفة بالمخاطر سواء من الناحية الأمنية  التي وصفت بزمن السيبة والقتل من أجل السلب والنهب ،أو من الناحية الاجتماعية التي طبعتها المجاعة والأوبئة الفتاكة؛ رغم ذلك رفعت غينولد التحدي وقامت برحلة استكشافية بمعية فريقها سنة 1910و1911، ووثقت كراسة الطريق carnet de route  المعنون Le long des pistes moghrébines  ، مسار الرحلة قادها من طنجة حتى تارودانت التي وصلت اليها يوم 21 ابريل 1911  الساعة الثانية عشرة وخمسة وأربعين دقيقة، كما سجلت في نص النسخة الأصلية المحفوظة بالمكتبة الوطنية الفرنسية ـ الرقمية، الصفحة 176 الفقرة 2 السطر 4 وما يليه، النص الأصلي عمل على ترجمته محمد ناجي بن عمر من كلية الآداب باكادير ط 2016.

المثير للغرابة الذي يهم موضوع  المجاعة والأوبئة الفتاكة مطلع القرن العشرين بمنطقة سوس، ما سجلته بخصوص التناقضات الاجتماعية التي تكمن في عمق الخرق واتساع الهوة بين معيش الزعامات القبلية داخل الأسوار من جهة، وعامة الناس خارج أسوار قصبات المشيخة من جهة أخرى حيث توجد شرائح اجتماعية حافية الأقدام، عارية الأجسام، تقتات على فضلات الدواب وما فضل من علفها؛ اثناء استقبالها من طرف خليفة قائد اولوز تصف وجبة الفطور التي ” تبدأ بوضع العبيد اواني القهوة المعطرة جدا وعصير الليمون المنسم  بماء الزهر والمرشات الفضية، ثم يطوف الخدم بالمبخرة  كطقوس قبلية لمرحلة ثانية من تقديم الفطور المكوّن من رغائف بالعسل والشعرية بلحم الخروف والشاي، أما عن وجبة الغذاء فيتكون من الطبق الاول خروفا مشويا على الجمر في الهواء الطلق نثر فوقه مسحوق الكمون، يليه طبق ثاني فيه الدجاج المحارب – هكذا سمته المستكشفة تقصد البلدي- المدفون في الكسكس المحلى بالسكر، ثم جيء بالدجاج المخلل بالحامض، وبعده الحمام البارد اللذيذ، تلى ذلك الكسكس باللحم والزبيب”.

“لا يأكل الرجل عادة مع زوجته/نساءه لكن مع اخ او صديق ، في حين أن أمه وأخته ونساءه يتناولن الأكل لوحدهن، وعندما يبلغ الطفل سبع او ثمان سنوات يجلس للأكل جنب والده، ويأكل الخدم ما تبقى من الطعام، كان الخدم يأكلون في الخارج ما تبقى وبعد ذلك يعطون البقية للعبيد ثم المتسولين ثم الكلاب” الخدم الاناث يُقصد بهن مجموع الاماء اللائي يجلسن كل واحدة أمام كانون يلازمها عبد صغير مساعد، وقد عدّت المستكشفة بقصبة الكلاوي بمراكش خمسين كانونا، ثم الخدم الذكور وهم صنفان عبيد السخرة وعبيد الخدمة، اذن اذا كان الكلاب سيظفرون لا محالة بالعظام بعدما يقتات الخدم على ما تبقى، ما هو حظ ونصيب المتسولين خارج أسوار قصبة المشيخة وهم كثر بالرغم مما عُدّ من أطباق، وقُدّم من أصناف المأكولات كنموذج بواحدة من قصبات المشيخة القبلية في زمن وسم بالإملاق والمجاعة ؟؟؟

جواب الاستفهام تسرده لنا المستكشفة بعد خروجها من قصبة القايد العربي (الضرضوري) للقيام بجولة، حيث صادفت مشهدا مؤلما جدا، ففي ميدان جري الخيول رأت هيكلين بشريين في جلسة القرفصاء يلتقطان بأيديهما النحيفتين، ويتتبعان بأعينهما الكليلتين حبات الشعير التي فضلت عن علف الخيول، وما ان يجد أحدهم حبة حتى يرتمي عليها ويضعها في فمه الجائع، تم تجحظ عينه بحثا عن المزيد ، كما كان بعضهم ممددا أمام القصبة جلودهم ملتصقة بالعظام، والأفواه مفتوحة، والعيون غائرة، والأنوف منكمشة، انهم كالجثة الهامدة ليس بينهم وبين الموت الا خروج أرواحهم. نفس المشهد المثير للشفقة سجله ريفي دانييل أحد أطباء البعثة الصحية المتنقلة الذي رصد عددا من الظواهر الاجتماعية المرتبطة بمجال تدخله واهتمامه، والتي تزامنت والاحتلال الفرنسي للمغرب مطلع القرن الماضي يقول :”لازال ضعف الأجساد مؤثرا بشكل كبير فيما وراء الأطلس الكبير الأوسط ، أجسام نحيلة بفعل سوء التغذية، عجائز هزيلات يفتشن روث الحصان بحتا عن حبوب الشعير”.

اقتران المجاعة بفترة اصطلح عليها زمن السيبة، زاد من تأزم الوضع وحدة الظاهرة من الناحية الاجتماعية ، وهو الحدث الذي وقفت عليه المستكشفة الفرنسية في طريقها الى تارودانت بين منطقة شامات ورزاكنة لما صادفت احدى الحركات بصدد اجتياح وتجويع دوار وقلع المحاصيل التي ستملأ مطامير شيخ قبيلة المنابهة (حيدة ميس). ومما سجله كملاحظة وجيهة طبيب آخر هو موريس كود :”ان الأراضي رغم شساعتها فلا يستغل منها سوى القليل الذي يكفي لسد رمقهم، والقناعة بالقليل خشية فوضى  النهب والابتزاز فيسلب منهم رزقهم” . موريس كود نظرا لمساهماته القيمة في الدراسات الكولونيالية لتقوية سياسة التهدئة، وبعد تأسيسه لمعهد الوقاية الذي سيتحول لاحقا لمعهد باستور الحالي، وشح بوسام جوقة الشرف وهو أرفع وسام فخري فرنسي، ثم عُين مديرا للصحة والوقاية العمومية 1934-1944- منصب الوزير حاليا- ، وأطلق اسمه على اكبر مؤسسة استشفائية بالمغرب في الدار البيضاء وهي مستشفى مورزكو ترجمة تقابلية ل Maurice Gaud قبل تسمية ابن رشد الحالية.

في العقد الرابع من القرن الماضي رغم التقدم الذي حصل في مجال الوقاية والرعاية الصحية ، وجد فجأة سكان تارودانت وعامة المغاربة أنفسهم من جديد ازاء أزمة اجتماعية معقدة ومجاعة حقيقية، بعد اجتياح ألمانيا لفرنسا واعلان هزيمة الأخيرة سنة 1940م، تعطل الانتاج الفرنسي وشل البلد، فأصبحت جل المستعمرات الفرنسية من بينها المغرب، تشكل الجبهة الخلفية لدعم وتزويد فرنسا بالمواد الغذائية، من أجل تدارك أزمة التموين التي خلقتها فرنسا بالمغرب، أقرت سياسة الاحتلال نظام تموين بواسطة قسيمات شراءbon d’achat ، يؤدى ثمنها مسبقا قصد الحصول على مؤونة غذائية محددة الكم/الرؤوس والنوع، كالزيت أو البيض أو السكر أو الشاي أو القهوة أو الصابون أو غاز الوقود بل حتى الخضر والأثواب، وظل السكر سيد مجموع تلك المؤن والمطلوب الأول لارتباطه بالأتاي والخبز، ثنائي الرفقة لدرء شبح الجوع الى الآن، ونظرا لاستحالة الحصول عليه وقبل ذلك توفير ثمنه، كان الشاي يحضر بدون سكر ويرفق بثمْر بوسكري توضع حبته في الفم لامتصاص حلاوتها، من بين الذين استفادوا من حصيص مقايضة القسيمة بالمادة، الحزان دودو بن سلطانة متجره بمدخل درب يحيى اوالطالب يمينا آلت ملكية المحل بعده للمرحوم لحسن وحقي/لماكني، من تاريخه – وربما قبل ذلك- اكتسب السكر الى اليوم في الوجدان الروداني رمزية استثنائية ودلالة تعبيرية لجبر الضرر واصلاح  ذات البين، أيضا التماس مصلحة جماعية أو منفعة فردية/الخطوبة التي يجسدها مأثور القول الروداني القديم ” البياض والشان والكرشان”.

أزمة مجاعة الأربعينات سببها أن جل التمؤونات السالفة الذكر تشحن الى فرنسا بعدما أضحت كل أراضيها مستباحة من قبل الرايخ الألماني، فتسببت هذه السياسة الفرنسية في أزمة خانقة بالمغرب لم تمر دون ضرر اجتماعي ملموس، فوجد الناس أنفسهم من جديد في مأزق المجاعة ومخلفاتها الاجتماعية، هذه الفترة هي التي عرفت في تارودانت باسم “عام البون” دامت سنتين 1944 و1945، التسمية ترجمة حرفية تقابلية للمصطلح الفرنسي BON ، الى جانب مصطلحات عديدة من تلك الفترة على علاقة بالمجاعة، نسجل منها  ” طيحو جوع ساكتير sec à terre”.

لمواجهة شبح مجاعة “عام البون” بتارودانت، اضطر الناس في المنبسط الرطب لأكل جدور درنات قصبية وأوراق نبات الهندباء والخرشوف البري وفطر الغاب الذي يظهر في الشتاء ومطلع الربيع والبقوليات والكرنينة والحميضة، وفي الجبل أكل الخروب، وفي المناطق البورية أكل ثمر السدر/النبق حتى سمي أحد هذه الأعوام “عام العشب”، هذا عن الأطعمة النباتية لسد رمق تدَوّر المعدة من الجوع وغرغرة الأحشاء من فرط شرب الماء؛ أما عن الأطعمة اللحمية سجل التاريخ أكل الحلزون الذي يتكاثر بالأماكن الرطبة وما أكثرها بتارودانت كالمروج المائية و بمحاذاة السواقي، أيضا أُكل الجراد المسلوق في الماء والملح أو المحمص برفق على الجمر، طريقة متعبة لكنها تسمح بتأمين مخزون الاحتياط وحفظه لعاديات الزمن، هذا الحدث أفرز تاريخيا عنوان دلالة آخر هو “عام جراد”.

من بين المصادر التي وثقت لنا بالسرد الأدبي السلس الرائع صورا تاريخية مثيرة للشفقة من عقد الأربعينات بتارودانت، رواية “La rose bleue” ط1994 لموسى حميمو، الأديب ترعرع وعاش بدار نقطة حليب/الميتم حاليا، نقتبس ثلاث مشاهد روائية على علاقة بالموضوع  والحقبة الزمنية: “وجبة العشاء لا تختلف كثيرا عن الغداء، ما يسمى “أسكيفAssekif”  يتكون من دقيق مخلوط بماء وزيت أو إدام دهني وملح، وهي وجبة البقاء على قيد الحياة ” في مكان آخر نقرأ ” جميع الصغار يلبسون “أقشابAkechab” رؤوسهم محلوقة حد الصلع، أقدامهم حافية، قلة من الكبار ينتعلون أحدية مصنوعة من العجلات المطاطية” ؛ بعد زيارة محمد الخامس لتارودانت يوم الخميس 28 مارس 1945قدم لهم هدية لا تقدر بثمن- كما قال الروائي- اسرة من خشب ووسائد ولفائف ثوب خيط منها فراش matelas ثم حشو الفراش بتبن الدرة تبرع به أحد أعيان المدينة  ” سنتمكن أخيرا من النوم على أننا كائنات انسانية، بعد معاناة طويلة ومتنوعة سببها الأمراض المتعلقة بشكل مباشر بالنوم مباشرة فوق الأرض (على الحصير)، ستختفي أمراض الصدر، كذلك أصحاب الزكام المزمن، وأيضا دووا إعاقة ضيق التنفس والاختناق الأنفي أثناء النوم”.

بعد انهزام فرنسا ضد ألمانيا سنة 1940 ومحاولة الأخيرة اجتياح شمال أفريقيا، عقد اجتماع الدار البيضاء التاريخي بين روزفلت وتشرشل ومحمد الخامس- الحيثيات التاريخية غير ذات أهمية هنا-  بمقتضى اللقاء قامت الولايات المتحدة الأمريكية يوم 8 نونبر 1942 بعملية انزال مكتف لقواتها فوق التراب المغربي بعدد من المدن المغربية الساحلية منها أكادير ، كما شيدت ثلاث ثكنات عسكرية كبرى بقية تحت تصرفها حتى سنة 1963؛ هذه المدة الزمنية التي دامت عقدين كانت كافية لنسج علاقة ود بين الجنود الأمريكيين والطبقة الشعبية المغربية، من ذلك أن القوات الأمريكية كانت تقدم هدايا رمزية كالملابس أو الشوكولاطة أو الحلوى/فنيد أو العلكة للأطفال الصغار لكسر شبح شح المواد الغذائية، لكن عمق وبُعد التقرب هو استغلال فرصة انشغال فرنسا بشؤونها الداخلية، لتوطيد وتعميق علاقة الود الأمريكية المغربية عبر الرفع من قيمة ونوعية المساعدات الغذائية؛ في هذه الفترة 1942-1963 كان جنود القوات الأمريكية يتمون مباشرة من بلدهم بأكياس دقيق/طحين تحمل علامة السلام الزرقاء “كفّين متصافحين” مطبوع على الأكياس farine des forces américaines، انطلاقا من تاريخه عرفت بالتدريج طبيعة الخبز فوق المائدة المغربية تجديدا نوعيا من خبز دقيق الشعير، ليحل معه لأول مرة في تاريخ المغرب دقيق القمح اللين الأمريكي ، المسمى مجازا بتسمية الأكياس “فرينة د فورص” farine des forces أو “فورص مريكان” forces américaines، ترجمة حرفية تقابلية أخرى، ومن تاريخه بقيت تسمية “فورص” متداولة الى اليوم.

كل زمن وتارودانت بألف خير

عن الكاتب

تارودانت24 taroudant24

Taroudant 24 - جريدة تارودانت 24 الإخبارية
عامتعديل من يمكنه رؤية هذه المعلومات

التعليقات

Advertisement

اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

© جميع الحقوق محفوظة

جميع الحقوق محفوظة

Taroudant 24 - جريدة تارودانت 24 الإخبارية