U3F1ZWV6ZTE2NzI1MTAyMzY5X0FjdGl2YXRpb24xODk0NzIzMzYzMjU=
recent
أخبار ساخنة

السياسة والحجاب وسيف الوزير أحمد التوفيق

السياسة والحجاب وسيف الوزير أحمد التوفيق
السياسة والحجاب وسيف الوزير أحمد التوفيق
 ذ. إبراهيم الطالب

أثارت مسألة الحجاب نقاشا طويل الذيول، خصوصا بعد انتشار صور النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية وهي متبرجة في شوارع باريس، وتراوحت المواقف بين مدافع عن هذه الشعيرة العظيمة؛ وبين مستغل للواقعة في تصفية حسابات سياسية، وبين متذبذب في الكلام عنها متمحّل حتى لا يتنافى مع القانون الذي يفرض عليه ألا يؤسس حزبا سياسيا على أساس ديني، فاضطر ليتعامل مع الحدث بنوع من البراغماتية البهلوانية.

وثارت بين شظايا هذه المواقف سؤالات جديرة بالاستماع إلى صوت ثورانها؛ من قبيل:

– هل حزب العدالة حزب إسلامي؟؟

– وهل ارتداء الحجاب أو نزعه حرية شخصية؟

– وهل إذا كان مجرد موقف فردي هل لا يستحق الإنكار والاستنكار؟؟

– وهل الحجاب مرتبط بإسلاميي العدالة والتنمية أم هو واجب شرعي على كل مغربية مسلمة؟؟

– وإذا كان واجبا على كل مغربية مسلمة، فلماذا لا نسمع لوزارة الأوقاف ولو خطبة منبرية واحدة في السنة تدعو فيها إلى الحجاب؟؟

– ولماذا تقاطع كلُّ مقررات التعليم سواء الخاصة بالتربية الإسلامية أو غيرها شعيرة الحجاب وتجتنب الحديث عنها، بل تروج التبرج من خلال الصور المصاحبة للدروس، وهذا بمثابة شرعنة له ومحاولة لتثبيته في سلوكيات النشء؟؟

كل هذه الأسئلة تثور في وجه المتأمل لهذا النقاش حول الحجاب، فهل تجد أجوبة وجيهة أم تتلاشى في ثنايا القضايا الصورية “البوليميكية”.

أليس من الغريب أن تتهجم نبيلة منيب وهي سياسية وأمينة عامة لحزب يساري متطرف على الحجاب وتستهزئ به، وتوجه الاتهام بالنفاق لأمينة ماء العينين، في حين يوثر عبد الإله بن كيران أن يبقى ملتزما بما تفرضه إكراهات السياسة، دون أن يجرؤ على الدفاع عن شعيرة الحجاب التي يؤثر فقدانها من المجتمع المغربي على المستوى الأخلاقي والديني والأسري والصحي، خصوصا بعد هذا التطوير البشع لنوعية اللباس بفعل المسلسلات المستوردة، والانفتاح الزائد على الغرب وعلى الثقافات الأمريكية اللاتينية كالبرازيل، التي يحلو لإعلام الرداءة أن يستورد منتوجاتها المشينة؛ المغرقة في الشهوانية والابتذال الذي يصل في بعض المشاهد إلى حد العهر المقيت؟؟

إن قضية الحجاب الشرعي بالخصوص ليست ثانوية بل هي في صلب الصراع، وتشكل حساسية بالغة للدولة بوصفها دولة مسلمة يشكل الدين فيها ثابتا من ثوابتها وترتكز عليه مؤسسات دستورية في بناء وجودها.

لكن يمكن أن نؤكد دون مجازفة أن الدولة تتعامل مع الحجاب الشرعي على أنه قضية ذات طابع سياسي وليس دينيا، مقلدة للغرب، مذعنة لثقافته التي غرسها من خلال تواجده وحكمه للمغرب بشكل مباشر لعقود مديدة.

وما دام الغرب يعتبر أن الحجاب مرتبط بالإسلام السياسي وليس الإسلام التقليدي، فإن السياسيين في المغرب لا يجرؤون على التفوه بخلاف ذلك. ومن هنا نرى اجتناب وزير الأوقاف ومن ورائه المجالس العلمية والوعاظ والخطباء، يجتنبون الدعوة إلى الحجاب، بحيث لا أذكر بل لم أسمع قط خلال عقود خطبة لوزارة الأوقاف تتناول الحجاب، حتى أصبح كثير من المغاربة يجهلون الحكم الشرعي وهو الوجوب، الذي أجمع عليه فقهاء المالكية وباقي المذاهب الأخرى دون خلاف.

وما يُعقِّد مهمة الدولة ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وكذا المجالس العلمية أمران:

أولهما: أن المغرب والمغاربة لم يعرفوا في كل مدنهم منذ كان في المغرب دولة سوى تغطية الوجه، سواء بالحايك أو الملحاف، بل حتى بعد تطور اللباس المغربي إبان بدايات الاحتلال لم تختل مواصفاته، فتحول لباس المرأة من الحايك إلى الجلباب بالقب والنقاب.

فلماذا تخفي وزارة الأوقاف هذا الحكم الشرعي الذي يعاني شباب المغرب وشاباته من التهاون فيه؟؟

أما السبب الآخر: فيكمن في تاريخ التبرج الذي ظهر مع الاحتكاك بالثقافة الغربية، وكان أول ظهوره في لباس الأميرات، حيث كانت بنات الملك الراحل محمد الخامس من أوائل من تأثر بزي الأوربيات.

لكن مع ذلك كانت النساء القليلات المتبرجات يعشن في الضيق ويعانين من مواقف المغاربة الرافضة لفعلهن، حتى سمح محمد الخامس لبناته بالظهور متبرجات، ويشهد لهذا نص تاريخي هو بمثابة تأريخ للحدث، ويحمل دلالات بليغة جديرة بالتأمل.

يقول ثالث آخر مقيم عام بالمغرب (بين 20 يونيو 1955 حتى 31 غشت 1955) “جيلبير گرانفال” في سياق قصته مع مغربية تدعى الطهاوي جليل التازي:

“وفِي غضون اللقاء والاتصالات تلقيت زيارة خاصة، جاءت لتخفف عني قدرا من همومي، ولتؤكد لي في نفس الوقت صحة الملاحظات التي أوردتها أعلاه، وذلك أن الجنرال “لوبلان” اقترح علي استقبال شابة مغربية لطيفة، ويتعلق الأمر بالسيدة الطهاوي جليل التازي، التي تترأس بالفعل مختلف الأنشطة النسائية، فقبلتُ ذلك وانطلاقا من أني، وإن كنت لا أعول على ما يمكن أن تفيدني به هذه السيدة حول آراء النساء، فإن تأثيرها في هذه الظرفية الخاصة يستحق أن يلقى بعضا من اهتمامنا.

إنها سيدة بارزية الطبع كما يبدو عليها بشكل كبير، ولقد جاءت وهي ترتدي فستانا رائعا أبيض اللون، مما دفعني إلى المبادرة بالتعبير لها عن ثنائي لأناقتها، فما كان من سلوكي النزق هذا، إلا أن سنح بربط خيوط الحديث معها، مما هيأ لها الفرصة للانطلاق، منذ البداية، في مرافعة عن حق الملك المخلوع. لقد ظلت حياتها دوما، -كما جاء على لسانها-، على الطريقة الأوربية، غير أن هذه الخاصية قد كلفتها التعرض لعدد لا يحصى من أوجه السخرية والتهكم، مما أصابها بالكدر والهم طيلة شبابها، بحيث إن ذلك لم يتوقف إلا بعد قيام السلطان الأسبق، هو نفسه، بالسماح لبناته، وخصوصا الأميرة عائشة بأن يرتدين ملابسهن على الطريقة الغربية، ومنذ ذلك الوقت، أصبح هذا الأسلوب الثوري في اللباس مقبولا لدى الناس”(*).

هكذا ثار اللباس الغربي لباس نساء المحتلين والعسكريين الغزاة على لباس نساء المقاومين والمجاهدين وبنات العلماء والصالحين، هكذا توالت فصول الثورة، لتصبح المنتقبة وريثة الحايك مضطهدة بسبب تشبثها بلباس أمهاتها وجداتها، فتمنع من المنصب والوظيفة وتطرد من عملها أو تجبر على خلع النقاب والحجاب إن هي أرادت العمل.

وهكذا أصبحت أمثال الشمطاء الرفيقة نبيلة، التي تعتبر الدين أفيونا، تسخر من الحجاب الشرعي الذي يسنده النص القرآني وحديث النبي صلى الله عليه وسلم والعرف والتاريخ والعفة والأخلاق، ولا يستطيع عالم من علماء المجالس العلمية الرد عليها، للإكراهات السالفة الذكر، وكيف يجرؤ والتوفيق لهم بالمرصاد مشهرا سيف العزل والطرد؟

إننا حقيقة نعيش نوعا من التطرّف العلماني تستجيب له خطة أحمد التوفيق وتحميه بقوة، أحمد توفيق الذي أصبح لا يقتصر على محاباتهم، بل بات يأتمر بأمرهم، حتى أصبحوا هم من يعزل الخطباء والوعاظ، إذ بمجرد ما يتكلمون عن خطيب لم يعجبهم إلا ويحرر التوفيق قرار العزل، وكان آخر قرار حرره، قرار عزل الخطيب السيد محمد العمراني الذي قضى 40 سنة بين المنابر خطيبا، وفي مسجد الشهداء الذي يعتبر من أهم مساجد الرباط قضى فيه ثمان سنوات.

ونستشهد لما سبق ذكره، بسبب العزل هذا، والذي يتلخص في كون الخطيب قال للمواطنين ما يجده في كتب المالكية فقهائهم وحكامهم عبر التاريخ فيما يتعلق بمشاركة النصارى في أعيادهم، إذ كانت له الجرأة وقال بتحريم الاحتفال بأعياد رأس السنة، فتم عزله بتدخل من طرف مسؤول بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي اتصل بالوزير التوفيق الذي اتصل بدوره بالمندوب الذي قام بالمتعين كما قال الخطيب المعزول.

فهذا الأمر تكرر مرارا بحيث أصبح الوزير وكأنه مجرد مستخدم لدى المؤسسات العلمانية والجمعيات اللادينية.

إن استجابة وزارة الأوقاف لمطالب العلمانيين أصبح أمرا خطيرا، ينذر بالمزيد من الاحتقان والنفور والاستهزاء بالمؤسسات الرسمية من طرف المغاربة، لذا يجب أن يتحلى علماء المجالس العلمية وخطباء المنابر بالإحساس بجسامة المسؤولية، فالمنبر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشرع شرع الله، وهو من سيحاسب الجميع.

وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

———————-

(*) المقيم العام جلبير گرانفال، “أسرار مهمتي بالمغرب”، ص 198-190، ترجمة محمد بن الشيخ تقديم د عبد الهادي بوطالب منشورات الزمن سلسلة ضفاف.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة