12353150665706248
recent
أخبار ساخنة

فيلم "عند منحدرات التلال" .. إدمان اليأس في "جزائر الزمن الميت"

الخط
فيلم "عند منحدرات التلال" .. إدمان اليأس في "جزائر الزمن الميت"

فيلم "عند منحدرات التلال" .. إدمان اليأس في "جزائر الزمن الميت"

يعرض عبد الله باديس مزاج الجزائريين في فيلم "عند منحدرات التلال" 2018. بدأ الفيلم بكهل في قاع اليأس ينقل عدوى يأسه إلى الشبان الذين يحاورونه:

"لا حلم ولا فرصة في الجزائر. أبدا لن يعطيكم المهيمنون على الاقتصاد والسياسة فرصة. إذا أعطوكم فرصة سيكون ذلك على حساب مصالحهم".

تتتابع الشهادات لإثبات هذه الأطروحة في وثائقي طويل (100 د) نجا من الملل بفضل استخدام أسلوب "فيلم على الطريق"، وثائقي أشبه بربورتاج فيه شاب يستجوب عشرات الأشخاص، لم يُركز المخرج على شخص معين، ثلاث دقائق على الأكثر لكل شخصية. رغم تعدد المتدخلين فوحدة الموضوع وآنيته تضمنان حيوية الفيلم.

استجوب المخرج شيوخا يسترجعون الماضي الذهبي، وشبانا يتمنون فتح الحدود المغربية الجزائرية وهم يهربون البنزين مقابل الحلويات. شبان يقفون على الأرصفة أو يستندون على الجدران يتأملون العابرين ويسردون أحلام يقظة، تبدأ جملهم بأداة تمنٍّ. الغربة بالنسبة إليهم بديل حاسم. تتكرر مقاطع قصيرة عن أغان كثيرة محورها البحر والغربة في وداع وهران:

"القلب الذي يحب وهران يستحق الكي".

حتى العجوز تتمنى أن ترسل أولادها إلى الخارج، وساعتها فقط تزور مكة.

يثمر تأجيل العيش صراع أجيال بين شيوخ يعملون وشبان ينتظرون المجهول. يروج شعر عامي يهجو فيه الشيوخ الشبان الكسلاء. شبان بهاجس وحيد هو مغادرة البلد.

ذهب المخرج إلى القرى للقاء أطفال ومراهقين وشبان وكهول لتقديم مقطع طبوغرافي عن المزاج الجزائري اليوم. مداخلات الشيوخ أكثر عمقا وقسوة وفيها مراجعة ساخرة للسردية الرسمية عن الثورة المجيدة وامتيازات المجاهد بعد الثورة وأزمة 1988 والعشرية السوداء وحكم بوتفليقة والفساد المعشش في بنية الدولة.

لتشكيل بورتريه مرحلة، يبدو أن المخرج صور ساعات طويلة وانتقى منها اللقطات الأكثر عفوية ودلالة. كانت الاستجوابات إخبارية وتفسيرية لإثبات مسألة واحدة: جزائر الزمن الميت. يناقش المستجوبون الماضي والمستقبل، لا أحد منهم لديه برنامج هنا والآن، والجميع لديهم أمان. في كل الحوارات إما استرجاع زمن منتهٍ أو حوارات تبدأ بأداة تمنٍّ. بسبب الزمن الميت الحياة مؤجلة، وهو ما ينكشف بشدة مع الصمت الذي يلي تلك الحوارات. نظرات تائهة وصمت.

لقد سيطر الجيش على السياسة والاقتصاد، سحق المجمع باسم محاربة الإرهاب وحالة الطوارئ المزمن. جيش يستخدم الحكومة كواجهة يغيرها باستمرار ليوحي بأنه استجاب لمطالب الشارع. الثروة والسلطة مجمعة في يد أوليغارشية، والنخب مدجنة، والنتيجة أن الاحتجاجات تنطفئ وتثمر تغييرا.

الغريب أن نبر الشيوخ أكثر حدة ووعيا، كحال بحار في الواحدة والثمانين حُرم من مركب صيد لأنه متقاعد. اشتكى العجوز من المافيا الحاكمة والكلاب الذي يدعون الوطنية والإسلام وينهبون الجزائر ولا يقنعون لأن الخنزير لا يشبع بأكل النمل. تحدث العجوز بحرقة حتى كاد يبكي، وصار الشاب الذي يؤطر الوثائقي يعانقه لكي يخفف توتره.

يثبت ألا جدوى من الكلام. في الزمن الميت يمكن للفرد سماع نبض قلبه.

ما هو الزمن الميت؟

زمن لا يجري فيه شيء، لا ينتظر فيه وقوع شيء، هناك انتظار رخو وتحديق فيما يتكرر. ما الذي يتكرر؟ يخصص الفرد جهده لتوفير حاجيات آنية من أكل وتسلية، ولا أفق ولا حلم ولا أمل. ومع الانتظار تتأسف الأم على بلد لا يجد من يخدمه. يتولد الزمن الميت من التكرار، تكرار الكلمات، تكرار الشكاوى، تكرار الأحاسيس. لا مشروع ينجح في البلد إن لم يكن لديك واسطة وفساد. لتدعيم هذا بحدث من اللحظة عرض متظاهر جزائري في مارس 2019 لافتة كتب عليها "عمري 30 سنة، عشرية سوداء و20 سنة بوتفليقة".

ما هي الإفادة التي يقدمها الفيلم عن اللحظة التاريخية؟

يكشف الفيلم بواطن الشخصيات، يكشف مزاجا سوداويا. يكشف الكثير من الزمن الميت في حياة أناس يجدون صعوبة في إنجاز شيء ناجح مبهج. نادر هو زمن الإنجاز. ما العلاقة بين طبيعة النظام السياسي والمزاج الفردي؟

حسب تقرير التنمية البشرية 2003 فقد أثرت الديكتاتورية في "أخلاق" الناس وقيمهم العملية. وساهم القمع والتهميش في قتل الرغبة في الإنجاز والسعادة والانتماء، ومن هنا ساد الشعور باللامبالاة والاكتئاب السياسي.

النتيجة: أجواء استسلام وانعدام لأي عقلية تنافسية للمغامرة هنا والآن.

الفيلم محاولة لتفسير وضع الجزائر، وكل مرة يتكرر تعبير "الصبر مفتاح الفرج" لكل عقد الجزائر. الصبر، أي المزيد من الزمن الميت. في هذا السياق ليس صدفة أن تمر رحلة كاميرا المخرج بالكثير من الأماكن التي تحمل أسماء الأولياء، ثم تتوقف مطولا عند ضريح ولي صالح. هناك ناس يتشوفون لقبر الولي الصالح أكثر مما يتشوفون للحكومة في العاصمة الجزائر. هنا يعطي الفيلم مساحة كافية لنتعرف على شيخ الضريح، هو أسمن من في الفيلم. يتحدث بطمأنينة وهو واثق بأنه يمكن للفاتحة والدعاء حل المشاكل. بالنسبة إليه الاستعمار اختبار رباني للشعب، ويعتبر أن لكل إنسان قرينا، إما جن أو شيطان. يدعو بالنصر على القوم الكافرين وليس على البؤس المحلي.

يُنظّر الشيخ للنية الحسنة المثمرة مستقبلا، ويحاول استقطاب الشبان، وأمنيته المستقبلية هي الجنة. وطبعا تقع الجنة بعيدا عن الجزائر.

ولهذا صدى، ففي آخر الفيلم كان الشاب الذي تتبعه الكاميرا ويستجوب شخصيات الوثائقي متخشعا يمسك رأسه بين أصابعه. سالت دموع الشاب لأن الضريح يقدم أجوبة وجدانية عن بؤس الزمن الميت. الله أكبر. بعد منتصف العشرين سيعود الشبان الغاضبون مؤقتا إلى حظيرة شيخ الزاوية.

واهم من يتوقع من مجتمعات أولا قدرية، ثانيا تفتقر إلى نخبة مضادة وثالثا تقدس العسكر أن تنجز ثورة.

نموذج الاتصال
الاسمبريد إلكترونيرسالة