Taroudant 24 - جريدة تارودانت 24 الإخبارية Taroudant 24 - جريدة تارودانت 24 الإخبارية
آخر الأخبار

آخر الأخبار

آخر الأخبار
آخر الأخبار
جاري التحميل ...

الكرسي الملعون لعنة منصب مدير بالإذاعة والتلفزة المغربية

الكرسي الملعون لعنة منصب مدير بالإذاعة والتلفزة المغربية

الكرسي الملعون لعنة منصب مدير بالإذاعة والتلفزة المغربية

حسن البصري
على مدار التاريخ الكبير للإذاعة والتلفزيون المغربي، ظل الخطاب الإعلامي المرئي والمسموع تحت أنظار الدولة بكل مؤسساتها، ليس لأن الراديو والتلفزيون كانا يصنعان الرأي العام ويبنيان أسسه، بل لأن هذه الوسيلة التواصلية تدخل البيوت بدون استئذان.
في مجال الإعلام السمعي البصري، ومنذ زمن «راديو ماروك» الذي اعتبر «البوق» الرسمي للحماية الفرنسية، ظل هاجس ضبط «أمواج» الأثير يؤرق الإقامة العامة ومن يدور في فلكها، بل إن المذياع وصنوه التلفزيون كان لهما موقع في خضم التيارات السياسية التي عرفتها الساحة المغربية، في بداية عهد الاستقلال.
ومع توالي الحكومات الأولى وتعاقب المديرين الأوائل على المؤسسات الإعلامية، ظل تعيين مدير الإذاعة والتلفزة يخضع لمعايير دقيقة، أبرز خاصية هي «اليقظة»، خاصة في ظل مكانة المذياع والتلفزيون في حياة الملوك الثلاثة، خاصة الراحل الحسن الثاني الذي شكل في ذهن المديرين ذاك «المتلقي المحتمل». لهذا ظلت الحكومة، في شخص وزير الإعلام أو مدير القناة، تقود المشهد الإعلامي الرسمي المسموع والمرئي وتشرف عليه وتمسك خيوطه وتتحمل نفقاته.
ولأن الإعلام الرسمي يعتبر الأكثر تأثيرا على سلوك البشر وأفكارهم وآرائهم واتجاهاتهم، ويلعب دورا هاما في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمواطنين، ونظرا لقدرته على إحداث التغيير بشقيه الإيجابي أو السلبي، فإن مسؤولية القائمين عليه في تحديد التوجه العام لتلك الوسائل تكبر مع التطور الهائل الذي يشهده المشهد الإعلامي.
من هذا المنطلق كان منصب المسؤول الأول عن الإذاعة أو التلفزة، في ظل احتكار الدولة للقطاع السمعي البصري، محفوفا بالمخاطر لأن صاحبه مطالب بلعب دوره كإعلامي أولا وكحارس للضيعة الإعلامية للدولة، قبل تحرير المجال السمعي البصري وتحويل التلفزة المغربية إلى شركة وطنية للإذاعة والتلفزة، ثم إنشاء الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.
في هذا الملف ستسلط «الأخبار» الضوء على منصب مدير الإذاعة والتلفزة، وتكشف عن إكراهات تضع صاحبه في فوهة المدفع، وتجبره على وضع هاتفه في حالة طوارئ، إلى أن يرن يوما ويحمل إليه خبر الإقالة.

المهدي المنجرة مديرا للإذاعة وعمره لا يتجاوز 25 سنة
على الرغم من العلاقة المتوترة بين المهدي المنجرة ووزراء الداخلية، إلا أن علاقة هذا المفكر بالسلطة السياسية في بلاده، التي تميزت بالتنافر، قد طبعتها لحظات تقارب أيضا، حيث كان يسود الحوار خاصة مع الملك الحسن الثاني، حين تعلق الأمر بتعيين على رأس مؤسسة من حجم دار الإذاعة التي عين المهدي على رأسها وعمره لا يتجاوز 25 سنة.
كان تعيين الدكتور المهدي المنجرة مديرا جديدا للإذاعة المغربية إشارة قوية للابتعاد بالإذاعة عن التأثيرات الحزبية المباشرة وإسناد مهمة تسييرها لمدير غير منتم، خاصة في تلك الظروف السياسية الصعبة. وهذا ما ذكره المنجرة نفسه في حديث له لصحيفة «الاتحاد الاشتراكي» حيث قال: «حين عينني جلالة الملك محمد الخامس قال لي رحمه الله: ناديت عليك للحضور أولا لأنك غير منتم ولأنك تتمتع باستقلالية الفكر، ومنذ ذلك الوقت استمر هذا النهج في تعيين مديري الإذاعة من بين غير المنتمين للأحزاب السياسية، باستثناء مرة واحدة عندما عين أحمد بن سودة، وهو ينتمي إلى حزب الشورى والاستقلال، مديرا للإذاعة والتلفزة».
لم يسع قط إلى تحمل مسؤوليات في الدولة، رغم أنها عرضت عليه مرارا، لأنه كان زميل دراسة للملك الراحل الحسن الثاني، وواحدا من معارضيه أيضا. ولم تتجاوز فترة مسؤولياته ضمن مناصب الدولة المغربية الحديثة العهد بالاستقلال، منصب مدير الإذاعة الوطنية، وهي الفترة التي وضع فيها الأسس لجعل الإذاعة وسيلة إعلام عمومية في خدمة المغاربة والمجتمع وليس الدولة، لكن المد السياسي كان قويا، رغم أن المهدي كان عضوا نشيطا في حزب الاستقلال ومن بعده الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، قبل أن يعلن القطيعة مع السياسة.
حين غادر دار الإذاعة، رفض المهدي المنجرة منصب وزير المالية، تعدى الامتناع حدود الحقائب الوزارية، إلى مهام وتعيينات سامية، إذ كشف في مذكراته عن واقعة حصلت في عهد الملك الراحل محمد الخامس، «استدعيت ضمن خمسة أشخاص شغل ثلاثة منهم حقائب وزارية في تاريخ المغرب وطلب منا الملك تحرير دستور، لكنني انسحبت من الاجتماع لأنني لا أومن بالدستور الممنوح».

المختار ولد أباه.. مدير موريتاني عاش تحت رحمة التيارات المعارضة
في بداية الستينات من القرن الماضي، حل كل من المختار ولد دادة ومحمد فال ولد عمير ومحمد المختار ولد أباه بالمغرب، في فترة انقسمت فيها «النخبة» السياسية الموريتانية بن مؤيد ورافض لاستقلال موريتانيا. بعد انضمام هذه الشخصيات الوازنة داخل المجتمع الموريتاني إلى المغرب، زادت جدية مطالبة المغرب بعودة «أرض شنقيط» إلى سيادته.
بعد عودة المختار ولد أباه إلى المغرب، انشغل بتأليف الكتب ونظم قوافي الشعر ومتابعة الوضع السياسي في موريتانيا، في الوقت الذي بادر فيه الملك محمد الخامس بتعيين موريتانيين في مناصب قيادية، حيث شغل المختار ولد دادة مهام في الديوان الملكي وعلى رأس وزارتي التعليم والأوقاف كما عين رئيسا لمجلس النواب، بينما عين فال ولد عمير وزيرا للدولة مكلفا بشؤون موريتانيا والصحراء.
في عيد الأضحى من سنة 1960، شهد القصر الملكي بالرباط مراسيم حفل تقديم التهاني للملك محمد الخامس من طرف أعضاء الحكومة وأفراد السلك الديبلوماسي، وكبار موظفي الدولة، ورجال الجيش، طبعا كان المختار ولد أباه من بين المهنئين.
كان منصب المدير العام للإذاعة الوطنية شاغرا، بعد استقالة المهدي المنجرة، وكلف موظفون بتدبير مرحلة الفراغ الإداري، لذلك حرص الوزير أحمد العلوي على إيجاد بديل للمهدي، وحين صافحه المختار ولد أباه في بهو القصر قال في قرارة نفسه هذا هو البديل المنتظر.
في مذكراته يتحدث محمد بن ددوش، المدير السابق للإذاعة الوطنية، من خلال «رحلة حياتي مع الميكروفون»، عن هذه اللحظة التاريخية فيقول: «كان أحمد العلوي وزيرا للأنباء، وخلال حفل تقديم التهاني بقاعة العرش، وعندما تقدم المختار ولد أباه للسلام على محمد الخامس وتهنئته بالعيد، شوهد أحمد العلوي وهو يهمس في أذن الملك، ويشعره بأنه ارتأى اختيار ولد أباه مديرا جديدا للإذاعة الوطنية خلفا للمنجرة، وكذلك كان».
في السادس من يونيو 1960 استقبل الملك محمد الخامس المختار ولد أباه، وعينه رسميا مديرا للإذاعة، وخاطبه قائلا: «فخور بتعيين شخصية موريتانية جاءت إلى المغرب يحدوها روح الوفاء للتاريخ».
مباشرة بعد تعيينه على رأس هذا الجهاز، طالب ولد أباه بإنهاء تبعية الإذاعة لوزارة البريد والبرق والهاتف، وأصبحت بالتالي تابعة لوزارة الأنباء. لكن الرجل لم يقض في هذا المنصب سوى عامين، بعد معاناة مع تيارات موريتانية منها من يطالب بالثورة المسلحة لاستعادة موريتانيا للمغرب ومنها من يطالب بالنضال من الداخل، ليخلفه عبد الله غرنيط، وفي حفل تسليم السلط أشاد جميع العاملين بالخصال الحميدة للمختار وبتواضعه الشديد. تفرغ للتأليف والبحث العلمي ونظم الأشعار، وساهم في إنشاء أول جامعة في موريتانيا.

قاسم الزهيري.. أول مدير للإذاعة يطلب من السلطان إعفاءه
ظل قاسم الزهيري من المقربين للملك الراحل محمد الخامس، بل إنه اعتمد عليه كثيرا في كثير من المهام واعتبره «موسوعة تمشي على قدمين». وحين فكر الملك في تعيين شخص للإشراف على الإذاعة، بعد حصول المغرب على الاستقلال، قفزت صورة قاسم أمام عيني السلطان.
مباشرة بعد تعيينه مديرا، في فاتح يوليوز 1956، قام قاسم بزيارة إلى مرافق الإذاعة وتبين له أن مغربتها تتطلب جهدا كبيرا، وقدم تشخيصا حول الوضعية وما كان يعتزم القيام به لجعل هذه المؤسسة صوتا للشعب المغربي بكل أطيافه.
أعطى الملك تعليماته للحكومة بدعم مشروع قاسم ومساعدته في بلوغ الأهداف التي سطرها، وطلب منه التركيز خلال خطابات الإذاعة على كل الفئات والهيئات السياسية والتجمعات العرقية، وقال له إن الإذاعة ليست للرباط وسلا وما جاورهما. قبل أن يوافق على الزيارة التاريخية التي قام بها قاسم الزهيري، إلى إذاعة «البي بي سي» البريطانية، قصد الاستفادة من تجربتها ومحاولة تطبيق مناهج وطرق العمل لهذه المحطة بالإذاعة المغربية. وجاء اختيار الملك لهذه الإذاعة بالذات لأنها كانت رفيقته إلى جانب «صوت العرب» في منفاه بمدغشقر، وقال الملك للزهيري أريد أن أستبدل «هنا لندن» بـ«هنا الرباط». لكن الإدارة الفرنسية التي لم تغادر مقر الإذاعة الذي كان يوجد في بناية وزارة البريد، لم تتقبل التغيير ودخلت في اصطدامات مع قاسم، حسب ما جاء في كتاب «رحلتي مع الميكروفون» للصحافي محمد بن ددوش.
حين اشتد عليه الضغط من الفرنسيين ومن السياسيين المغاربة، طلب قاسم من الملك محمد الخامس إعفاءه من منصب مدير الإذاعة، فاستجاب له على مضض في فبراير 1959. كان الزهيري من الذين تحدثوا إلى الملك محمد الخامس قبل أيام قليلة عن رحيله إلى دار البقاء، وذلك حين تقرر تعيينه سفيرا للمغرب في السينغال، يقول الزهيري في «مذكرات ديبلوماسي»: «تم تعييني سفيرا في السينغال في بداية سنة 1961، وكنت من الجماعة التي وقع اختيار جلالة المرحوم محمد الخامس طيب الله ثراه عليها قبل وفاته ببضعة أسابيع لتمثيل المغرب في بعض الأقطار الإفريقية. لم أكن أتصور أننا كنا في لقاء وداع جلالته تغمده الله بواسع رحمته».
يذكر أن انتهاء مهمة قاسم الزهيري على رأس الإذاعة، كان بعد 17 يوما من استقالة حكومة بلا فريج.

الاحتقان السياسي يحول بن منصور من مدير إذاعة إلى مدير ضريح
يعتقد الكثير من المتتبعين للقطاع السمعي البصري بأن علاقة عبد الوهاب بن منصور بالإذاعة ترجع لمنتصف الستينات، والحال أن الراحل شغل مهاما سياسية وإعلامية، بينها نائب لمدير الإذاعة المغربية عام 1957، إلى جانب المفكر المهدي المنجرة.
سيعود الرجل ثانية إلى المؤسسة نفسها بدرجة مدير عام لها، سنة 1965، وهي سنة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، ففيها اندلعت أخطر وأعنف اضطرابات اجتماعية بمدينة الدار البيضاء، في 23 مارس وفي العام ذاته تم تعطيل أول برلمان منتخب بكيفية ديمقراطية، وألغيت الحياة الدستورية بإعلان حالة الاستثناء. وفي التاسع والعشرين من أكتوبر، جرى في باريس اختطاف الزعيم اليساري المهدي بن بركة.
تعني كل تلك الحيثيات والسياقات بوضوح أن المشرف على الإذاعة والتلفزيون لم يكن موظفا عاديا، بل مقربا إلى أبعد الحدود من دائرة القرار الأسمى في البلاد، في ظرف سياسي خاص، تلقى خلاله النظام انتقادات حادة من وسائل الإعلام المغربية والدولية. أمضى بن منصور أقل من عامين على رأس إدارة الإذاعة والتلفزيون، فقد أسند إليه الملك الحسن الثاني عام 1967 مهمة محدثة، حين أوكل إليه الإشراف على إدارة ضريح الملك الراحل محمد الخامس.
عانى عبد الوهاب بن منصور، مؤرخ المملكة وذاكرة الدولة العلوية، من أزمات صحية في الشهور الأخيرة من حياته، وتحديدا سنة 2008، سيما أن تقدمه في السن قد حكم عليه بملازمة بيته في الرباط، والاعتذار عن حضور مجموعة من الأنشطة في رحاب الجامعة. يرجع تاريخ ميلاد عبد الوهاب بن منصور إلى سنة 1919 في مدينة فاس، حيث تدرج في مختلف المراحل التعليمية قبل أن ينتهي به المطاف في جامعة القرويين، التي تخرج منها وعين أستاذا للتعليم الثانوي بالرباط وسلا، وفي عام 1957 م عين نائبا لمدير الإذاعة الوطنية، وفي العام نفسه عين رئيسا للقسم السياسي بالديوان الملكي، وفي عام 1963 عينه الملك الحسن الثاني مؤرخا للمملكة المغربية ورئيسا للديوان الملكي، وتقلد بعدها عدة مناصب إلى أن تم تعيينه مديرا للوثائق الملكية بالمملكة المغربية.
يحكى أن أحد أصدقائه المهتمين بالتأريخ، زاره في بيته بالرباط بعد أن أقعده المرض، واطمأن على أحواله الصحية محاولا الرفع من معنوياته، متحدثا عن القضاء والقدر، لكن بن منصور رد عليه مطمئنا: «الأعمار بيد الله، وأنا لا أخشى الموت. هل نسيت بأنني استأنست بها لفترة طويلة حين عينني الملك الراحل الحسن الثاني في منصب يجعلني أشم رائحة الموت يوميا وكنت محافظا لضريح محمد الخامس».

محمد طريشة.. من مدير عام إلى وال على وادي الذهب
عندما أمسك ادريس البصري بخيوط وزارة الإعلام أصر على ضخ دماء السلطة في الصحافة، وخلق خلطة جديدة تجعل الإخبار مهنة المخبرين أيضا. تم تعيين طريشة على رأس الإذاعة والتلفزيون في منتصف عام 1985، وذلك عندما وسع إدريس البصري اختصاصاته، وأضاف إليها الإعلام.
بعد ثلاث سنوات سيغادر محمد طريشة، المدير العام للإذاعة والتلفزيون، دار البريهي، بعد أن تم تعيينه واليا على إقليم وادي الذهب، لكن حتى قبل أن يحصل ذلك كان طريشة فهم الرسالة، إذ ظل طيلة الثلاث سنوات التي تلت تعيين العرايشي مجرد رئيس شبح، فقد كان يدرك أن تعيين العرايشي لا يعني أبدا نهاية فترة هيمنة الداخلية على قطاع الإعلام، لكن كان ذلك يعني أن وجوها جديدة ستتولى المسؤولية.
لم يكن طريشة يشتغل لوحده فقد عين إلى جانبه محمد الإيساري مديرا للتلفزيون وعبد الرحمان عاشور مديرا للإذاعة، وهما معا من موظفي وزارة الداخلية، لهذا كان الهاجس الاستخباراتي حاضرا بقوة في دار البريهي. وهو مشهد جعل الجميع يتحدثون عن نزول بالمظلات لثلاثة رجال سلطة فوق مبنى التلفزيون، في إشارة واضحة إلى تحويله إلى مديرية فرعية لوزارة الداخلية.. ظل هذا الثالوث ممسكا بزمام المشهد الإذاعي والتلفزي الرسمي حتى بعد استقلال الإعلام عن الداخلية وإنهاء هيمنة البصري عليه إداريا فقط.
أقيل الإيساري من منصبه كمدير للتلفزيون، بسبب بث نشاط رياضي لوزير الداخلية إدريس البصري بعد إقالته من الوزارة. اتصل المساري باليوسفي وأخبره من يكون مدير التلفزة الجديد، ثم قال له: «بالرغم من أنه لا يد لي في العزل والتعيين، فإن مديري التلفزة والإذاعة خاضعون إداريا لوزير الاتصال، فماذا سنفعل في حفل التنصيب؟»، فكان جواب اليوسفي واضحا: «قل للجهة التي أخبرتك بمن سيكون، أن تخبرك أيضا بما يجب أن يكون». غضب وزير الاتصال وقرر تحرير استقالة سرعان ما عدل عنها.

قويدر.. شقيق جنرال مديرا لإذاعة طرفاية لمدة شهرين
عندما التحق قويدر بناني بالمديرية التقنية لدار الإذاعة والتلفزة المغربية، فور تخرجه سنة 1971 كمهندس دولة من المدرسة الوطنية العليا للاتصالات بباريس. كان يراهن على توسيع شبكات الإذاعة والتلفزيون والآليات التقنية للإنتاج، قبل أن يقدم للملك الحسن الثاني مشروعا لإدخال تلفزة بالألوان إلى المغرب.
عهد إليه بإنجاز دراسة تهم إصلاح الفضاء السمعي البصري المغربي وتوسيع آفاقه المستقبلية، كما نوه الحسن الثاني بجهوده في إحداث محطة للإذاعة والتلفزة بطرفاية استعدادا لانطلاق المسيرة الخضراء، مع إنجاز العديد من الربورتاجات حول هذا الحدث التاريخي الهام إلى لحظة الدخول الرسمي لمدينة العيون.
وحسب الإعلامي عبد القادر الإدريسي، الذي عايش المرحلة، فإن قويدر اعتمد في إنجاز مهامه خلال فترة المسيرة الخضراء، وساعد على دقة التنظيم وسير التعاون بين التلفزة ومصالح الجيش، بفضل شقيقه الجنرال عبد العزيز بناني، لأن هذا الأخير كان من بين الضباط الكبار الذين اختارهم الملك الحسن الثاني لينفذوا تعليماته حول المسيرة الخضراء، إلى جانب الجنرال الدليمي وزياتي وآخرين، لكنه أشعر بانتهاء مهمته بعد نجاح الغاية من المسيرة الخضراء.
بعد انتهاء مهامه عينه الملك الحسن الثاني مديرا للمركز السينمائي المغربي، ولم يكن أحد يعتقد أنه سيقضي عشرة أعوام في هذه المؤسسة، فقد أصبح مديرا عاما للمركز مباشرة بعد انتهاء المسيرة الخضراء وظل في منصبه إلى غاية 1986.

المدير غرنيط يضطر لفض نزاع بين وزيرين على المباشر
لم يكن عبد الله غرنيط مجرد مدير للإذاعة والتلفزة أو وزير ومسؤول رفيع المستوى في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، بل كان صديق شبابه، حيث اعتبر رفيق درب ولي العهد، الذي كان يتقاسم معه الفصول الدراسية والعديد من الهوايات خاصة الفن السابع، وحدها كرة القدم هي التي سقطت من مفكرة عبد الله.
في سنة 1962، شرع غرنيط في مهامه، لكنه لم يتردد يوما في خلق الحدث، حين دخل وهو حينها مديرا للإذاعة والتلفزة، إلى الاستوديو وظهر أمام المشاهدين وهو يحاول فض نزاع بين وزيرين وهما امحمد الدويري وإدريس السلاوي، خلال برنامج حواري، حيث ظلا يتبادلان التهم رغم محاولات الصحافي محمد بن ددوش سل شعرة النزاع، خاصة وأن البرنامج كان على الهواء مباشرة.
«وعلى حين غفلة والنقاش على أشده تقدم نحونا مدير الإذاعة والتلفزة عبد الله غرنيط واقترب حتى دخل مجال الكاميرا يراه المشاهدون، وانبرى باللائمة على الرجلين بسبب الصورة السيئة التي يقدمانها للمواطنين. كل هذا الكلام وكل هذا اللوم وهذا التوبيخ الموجه لوزير في الحكومة ووزير سابق كان منقولا بالصوت والصورة على الهواء إلى المشاهدين، لأن التلفزة لم توقف البث، بل استمرت في النقل المباشر لكل أطواره إلى نهاية المعركة»، يقول بن ددوش في مذكراته.
لقد ظلت هذه الواقعة طيلة عقود بعيدة عن اهتمام الإعلاميين وحتى لدى الذين عايشوها منهم، إلا أن الإعلامي الكبير الأستاذ عبد الله شقرون لم يغفل الحديث عنها في كتابه القيم «الإذاعة والتلفزة المغربية وقائع وذكريات» الصادر عام 1999، وقد سماها «المقابلة».
«لقد علمت في ما بعد أن السيد كديرة الذي جاء إلى التلفزة مرافقا لصديقه السيد إدريس السلاوي، كان يقوم بدور مساعد المخرج إن لم يكن هو المخرج الحقيقي، وكان يشير إلى مخرج البرنامج بانتقاء اللقطة التي تخدم صاحبه»، يضيف بن ددوش. أرخى هذا الحدث بظلاله على المدير غرنيط وجعله يفكر جديا في المغادرة الطوعية، ليشارك الملك في صياغة العديد من المبادرات السياسية، أبرزها ميلاد حزب التجمع الوطني للأحرار.

الحسن الثاني يؤنب مدير «ميدي 1» بسبب خبر مثير
تعددت الروايات بخصوص غضبة الملك الحسن الثاني على بيير كازلطا، مدير إذاعة «ميدي 1»، في يناير من سنة 1989، فقد قدم الصديق معنينو، الصحافي والكاتب العام السابق لوزارة الإعلام في عهد إدريس البصري، روايته من خلال سيرته الذاتية، وقال إن وزير الداخلية والإعلام نقل إليه غضبة الملك بسبب خبر أذاعته «ميدي 1»، يتضمن هجوم حرس الزعيم الليبي معمر القذافي على مسجد يحتمي فيه معارضوه. بل إن وزير الداخلية البصري اتصل هاتفيا بالإذاعة، وطلب التحدث إلى المدير الفرنسي كازالطا الذي كان موجودا حينها في مدينة مارسيليا.
بمجرد بث الخبر على أمواج «ميدي 1» بادرت اللجان الشعبية إلى تنظيم مظاهرات أمام السفارة المغربية بطرابلس، وحاول المتظاهرون إضرام النيران في المبنى، وهو الخبر الذي لم يصلنا عبر وكالات الأنباء، بل علمت به الرباط والقصر من خلال القنوات الرسمية فقط، ولعل هذا هو السبب الحقيقي في غضبة الملك الراحل.
رواية معنينو حول سبب الغضبة الملكية، وقصة الهجوم على مسجد، تصدى لها حسن الراشيدي، المسؤول السابق عن التحرير بإذاعة «ميدي 1»، إذ قدم الرواية الأخرى للقلق الملكي، وقال الغضب الأول كان بسبب خبر كتبه صحافي فرنسي حديث العهد بالإذاعة، نقلا عن وكالة الأنباء الفرنسية عن مبعوثة «جيروزاليم بوست» إلى المغرب.
غاب كازلطا عن مقابلة التأنيب لوجوده في فرنسا، بينما حضر الراشيدي نيابة عنه إلى جانب سامي الجاي، مسؤول النشرات الفرنسية، حيث تقرر حضورهما على وجه السرعة إلى مراكش لملاقاة الملك وتقديم توضيحات في الموضوع، بمعية الصديق معنينو، مدير الإعلام، حيث وضع البصري طائرة عسكرية رهن إشارة هذا الثلاثي.
يقول الراشيدي: «نودي علينا لمقابلة الملك، قبلنا يد الملك الواحد تلو الآخر، وأدينا فروض الطاعة ثم اصطففنا على خط مستقيم أمامه، كان من سوء حظي، أو حسن حظي، أنني وجدت نفسي أمامه مباشرة. من دون مقدمات وبصوت طغت عليه نبرة غاضبة. قال: «لا أريد منكم سبقا صحفيا.. ولا أريد أن تلجأ إذاعتي إلى هذا الأسلوب. أنا لا أتدخل في أي شيء تقولونه في إذاعتي، حتى عندما تطلقون علي صفة العاهل المغربي».
وأضاف الراشيدي: «أزبد الملك وأرغد، وكنت أمامه غير قادر على رفع عيني من الأرض، على وشك الإصابة بالإغماء، أخبرنا عما أقدم عليه الليبيون بعد بث الخبر وعن محاولتهم حرق السفارة وعن القذافي وأساليبه، الحمد لله أن حالة الغضب لم تزد عن دقائق معدودات.. لكنها بدت وكأنها دهر».

التوقيف هدية البصري لمدير الإذاعة بن ددوش في يوم العيد
أطاحت برقية تهنئة بمدير الإذاعة الوطنية محمد بن ددوش.. أصل الحكاية يعود لسنة 1986، حيث سيكتب إدريس البصري، وزير الداخلية والإعلام، قرار إقالة بن ددوش أمام استغراب الجميع بسبب برقية من الرئيس الأمريكي. المقربون من دار البريهي يؤكدون أن تيار الود بين الرجلين كان منقطعا، حيث كان بن ددوش يرفع لهجته في حضرة الوزير القوي، لأنه عايشه منذ أن كان رجل أمن.
يروي مدير الإذاعة قصة الإعفاء المفاجئ: «واقعة الطرد تعود إلى يوم عيد الفطر، كان صاحب الجلالة الحسن الثاني يتلقى برقيات التهنئة بالعيد من عدد من حكام العالم، ووصلت برقية من الرئيس الأمريكي ريغان، اتصل بي وزير الأنباء المريني وطلب مني إرسال البرقية إلى التلفزيون والإذاعة ووكالة الأنباء من أجل بثها، رغم أنني لم أكن مسؤولا إلا عن الإذاعة».
لم يشاهد الملك خبر بث البرقية في التلفزيون، فاتصل بالبصري غاضبا يستفسره، هذا الأخير اتصل بدوره بمحمد بن ددوش مستفسرا، فأخبره بأنه غير مسؤول عن التلفزيون. تبين بعد البحث أن صحافيا تصرف في البرقية فاختزلها، تحت مبرر وجود تعليمات من وزير الأنباء، تدعو إلى اختصار البرقيات إذا تبين أن فيها إطنابا.
يكشف بن ددوش اللحظات الأخيرة من القرار: «أخبرت البصري بما وقع عبر الهاتف، فطلب مني أن أحضر في الغد إلى بيته. وجدت عنده مدير البرامج في التلفزيون نور الدين الصايل، وما إن دخل البصري حتى بدأ بلومي، ثم أعلن عن توقيف خدماتي بالإذاعة. بعدها أدخل خادمه الشاي والحلويات، فدعاني البصري إلى شرب الشاي لأجيبه: «اتخذت هذ القرار في يوم عيد وأنا في بيتك، ومع ذلك تقدم لي الشاي؟»، أحسست بألم كبير في تلك اللحظة، خاصة أنني قضيت جزءا كبيرا من عمري في الإذاعة، ولم يكن يتبقى لي إلا ثلاث سنوات وأخرج إلى التقاعد».
غادر بن ددوش دار البريهي غاضبا يعتصره الألم، اعتكف في بيته وحرر رسالة شهيرة إلى إدريس البصري، ظلت بدون رد. بل إن حجم الضرر النفسي دفع المدير المبعد إلى قطع الصلة مع الأثير.

تلفزيون الملك وتلفزيون البصري
عايش محمد الصديق معنينو الوزير إدريس البصري، الرجل القوي في زمن الحسن الثاني، ووصف أم الوزارات بـ«ذات الأسنان المسلحة»، يقول الصديق في مذكراته إنه سمع الملك الحسن الثاني يقول لإدريس البصري: «أنت عندك التلفزيون ديالك ويقصد القناة الأولى، وأنا عندي التلفزيون ديالي ويقصد القناة الثانية»، في منع صريح لمحاولة الوزير التدخل في مواد برنامج حواري على القناة الثانية.
لكن الحدث الأبرز فيعود لسنة 1985، وبالضبط يوم 15 نونبر أثناء إسناد وزارة الإعلام إلى إدريس البصري، وزير الداخلية، وهو الأمر الذي فاجأ الجميع بمن فيهم معنينو، الذي لم يعلم بالخبر إلا صبيحة اليوم الموالي، رغم أنه كان يشغل منصب مدير الإعلام.
وكان هذا القرار الملكي المفاجئ نتيجة «غضبة كان تنتاب الحسن الثاني وخلالها يتخذ قرارات غالبا ما يندم عليها، بعد أن تهدأ الأوضاع التي كانت سببا في ذلك. فقد كانت وزارة الداخلية تضخم في تقاريرها إلى الملك ما كان يجري في التلفزيون من تحولات، معتبرة ذلك بمثابة خطر على استقرار المغرب، مستندة إلى الغياب الطويل لعبد اللطيف الفيلالي، وزير الخارجية والإعلام، مشيرة إلى أنه في «عطلة مستمرة» و«يفضل البقاء في الخارج حتى بعد انتهاء المهمات المكلف بها»». يقول معنينو في مذكراته.
في ليلة 12 نونبر من سنة 1985 بث التلفزيون حلقة من برنامج «وثيقة» استضافت خلاله المهدي بنعبود، أحد قادة جيش التحرير، والمعروف بصراحته، فتحدث عن عودة بطل التحرير الملك محمد الخامس من المنفى، والانقسام الذي حدث وسط الطلاب المغاربة بين الذين ارتاحوا لهذا الرجوع، وبين الذين رفضوا إرسال برقية تهنئة إلى الملك محمد الخامس، وفهم من هذا الكلام أن هناك مغاربة لم يكونوا مؤيدين لرجوعه إلى العرش، وفي تلك الليلة كان الحسن الثاني أمام التلفزيون يتابع البرنامج المذكور، وفي ذاكرته تقارير وزارة الداخلية عن الفوضى العارمة التي تسود التلفزيون المغربي، فاتصل بعبد اللطيف الفيلالي فلم يعثر عليه، فطلب البصري هاتفيا، وأمره بتوقيف البرنامج. تم توقيفه دون أن يشعر المشاهدون، حيث تم استغلال فاصل لوقف البث. من تداعيات هذه الغضبة إعفاء الفيلالي من الإعلام وإسناده إلى البصري.

عن الكاتب

تارودانت 24 Taroudant

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Taroudant 24 - جريدة تارودانت 24 الإخبارية