القائمة الرئيسية

الصفحات

إبراهيم: الثورة السودانية صدمت الإسلاميين وأنهت "الدولة الدينية"‬

إبراهيم: الثورة السودانية صدمت الإسلاميين وأنهت "الدولة الدينية"‬
إبراهيم: الثورة السودانية صدمت الإسلاميين وأنهت "الدولة الدينية"‬
قال حيدر إبراهيم علي، مفكر سوداني متخصص في علم الاجتماع الديني، إن "الحركة الإسلامية في السودان لم تستطع تقديم أي نموذج ديمقراطي متميز، فحتى مسألة الشورى وهي أقل كثيراً من مسألة الديمقراطية لم يكن هناك أي شكل من أشكالها طوال الثلاثين سنة المنصرمة التي حكم فيها نظام البشير، الذي كان يعتمد بالأساس على شخصية الترابي الكاريزمية، بالإضافة إلى جهاز الأمن".
وأضاف إبراهيم علي، في حوار أجرته معه جريدة هسبريس الإلكترونية، أن "الإسلام دين ودعوة، وليس دين ودولة، فلم نرَ طوال التاريخ الإسلامي شكلا يمكن القول عنه إنه يمثل الدولة الإسلامية، لأن الفقه السياسي الإسلامي لم يجب عن سؤال التداول السلمي على السلطة في الدولة الإسلامية"، موردا أن "الفقه السياسي الإسلامي، وحتى الفقه الديني الإسلامي، لم يهتم بمسألة السلطة السياسية".
وإليكم تفاصيل الحوار:
بدايةً من الوضع السوداني الداخلي ما بعد "انتفاضة 2019"، حيث توجد مجموعة من الملفات الشائكة التي مازالت تزيد من تعقيدات المرحلة الانتقالية، لاسيما الأزمة الاقتصادية والخلافات الحزبية داخل الائتلاف الحكومي، إلى جانب الاحتجاجات الشعبية التي تندلع بين الفينة والأخرى.. إلى أين يتجه الوضع الداخلي في بلاد النيلين؟.
الوضع الداخلي بالفعل شائك جدا، لأن القوى الاجتماعية السياسية التي قامت بالثورة متعددة ومتنوعة، وهي ليست القوى التقليدية المعروفة في السودان، باعتبار أن الشباب غير المنظم وغير المنتمي إلى الأحزاب هو الذي قام بالثورة، ما أفرز عددًا من الاتجاهات التي تحتمي داخل القوى الثورية؛ فعلى سبيل المثال تضم قوى الحرية والتغيير من 70 إلى 80 كيانا، تتوزع بين النقابات والأحزاب الصغيرة وغيرها من التجمعات.
لذلك، فإن الوضع الداخلي لا بد أن يكون شائكاً ومعقداً، ومما زاد الأمر تعقيدا هو دخول الانتفاضة المدنية في شراكة مع العسكر، ومن ثمّ فإن الشراكة لها تعقيدات معينة، إذ يحاول العسكر في أحايين كثيرة أن ينفرد بالقرار ويهيمن على السلطة، لكن من الواضح أن المشاغل الآن تسير في الاتجاه الصحيح، فالحكم المدني استطاع، رغم كل العقبات وبطء الإجراءات الكائنة، أن يقوم بإنجازات مقدرة.
كما يوجد التفاف شعبي واضح حول شخصية عبد الله حمدوك (يَقصد رئيس وزراء الحكومة الانتقالية)، بوصفه شخصية تحظى بإجماع كبير، بالإضافة إلى القضايا الأساسية التي يتبناها؛ فلأول مرة يتم التعامل معها بهذه الطريقة خلال الثورات السودانية، عبر جعله التنمية واحدة من الأولويات، بالنظر إلى أنه اقتصادي يهتم أساسا بقضية التنمية. ومن ثمة فإن الوضع الشائك لا يمكن حلّه سوى بحل الأزمة الاقتصادية، إلى جانب قضية السلام.
تبعا لذلك، هذان التحدِيان يمكن الاستجابة لهما بطريقة عملية، حتى تحقق الثورة أهدافها الحقيقية التي قامت من أجلها، ما سيُمكن من عودة الوضع الطبيعي إلى السودان، عوض الوضع الشائك الذي يطرح مهددات عدة، ما يجعلني أعتقد أن الفترة المقبلة قد اقتربت من توقيع اتفاقية السلام؛ ذلك أن مؤتمر برلين قدم الكثير من الآمال للحكومة في مواجهة المشكلات الاقتصادية.
مازالت العلاقة متوترة بين أنصار الرئيس السوداني الأسبق، عمر البشير، والحكومة السودانية القائمة، ذلك أن الحركة الإسلامية تعارض بشدة حكومة الفترة الانتقالية، الأمر الذي يسائل الدور السياسي الذي يمكنه أن تلعبه في المرحلة المقبلة. في نظرك أي أفق ينتظر الأحزاب الإسلامية خلال المرحلة الانتقالية؟.
الهزيمة كانت مفاجئة للحركة الإسلامية في السودان، بالنظر إلى اطمئنانها بأنها لن تواجه أي شكل من أشكال المعارضة بسبب ممارساتها القمعية، ولن تتخلى عن السلطة بأي طريقة من الطرق، ما جعل الانتفاضة صدمة حقيقية بالنسبة إليها، بدليل أنها لم ترتب أمورها على نحو جيد، بحيث لم تستطع نفي اتهامات الفساد الموجهة إليها، ومن ثمّ فهي تعرف حالة ارتباك كامل.
لا أرى أنها تمثل أي خطر بالنسبة للثورة السودانية، لأن الحركة الإسلامية بنفسها تعرف حالة انقسام واضح، بين مجموعات ترفض المواجهة، وأخرى تدعو إلى التصعيد فورا قبل أن تستقر الحكومة الانتقالية، فيصعب ذلك اقتلاعها. بغض النظر عن ذلك فإن الحركة الإسلامية ليس لديها أي مستقبل في السودان، لأنه لم يعد لديها أي وجود في الشارع رغم امتلاكها الكثير من المال ومحاولة استغلال بعض الأجهزة الإعلامية.
هكذا، لم تستطع تسيير أي موكب له وزن بالنسبة للأعداد الجماهيرية، ما يعني أنها لا تمثل أي خطر للحكومة الانتقالية، ومعها الثورة المدنية؛ لكن تجب الإشارة إلى أنها تحاول استغلال الجيش، وتصعيد الخلافات بين المكون المدني والعسكري. لكن لا توجد أي مجموعة من الضباط داخل الجيش السوداني قادرة على المغامرة بأي شكل من الأشكال بتنفيذ انقلاب عسكري.
انطلاقا من ذلك فالحركة الإسلامية لا تعول الآن على الشارع، بل تعول على الجيش، حتى تشكل خلايا داخله، تستطيع التأثير عبرها على الوضع الداخلي في السودان، بينما لم تعد قادرة على تعبئة وتحريض الجماهير السودانية، ما جعلها تعيش عزلة اجتماعية قبل كل شيء، فالمجتمع السوداني كله يقف ضدها؛ ومن ثمة لا يمكن الحديث عن أي مستقبل لها في السودان.
جمّد حزب الأمة القومي أنشطته في كافة هياكل قوى "إعلان الحرية والتغيير" المعارضة، بوصفها الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية في السودان، حيث دعا إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد، بينما نادت قوى مجتمعية أخرى باستكمال ميثاق الدفاع عن الديمقراطية. هل يحتاج السودان إلى عقد اجتماعي جديد؟.
لا يحتاج السودان إلى عقد اجتماعي جديد، لأن العقد الاجتماعي مجرد تلاعب بالألفاظ. هناك مواثيق عديدة وقعتها القوى السياسية في السودان تكفي أن تكون عقدا اجتماعيا، لعل أهمها ميثاق الدفاع عن الديمقراطية الذي وقعه الشعب السوداني ممثلا في عهده، إلى جانب كيانات سياسية بعد انتفاضة أبريل 1985.
أرى أن ميثاق الدفاع عن الديمقراطية يشكل عقدا اجتماعيا يشبه الشعب السوداني، وكان من الممكن الالتزام به، لكن لم يتم ذلك، وأول من لم يلتزموا به الصادق المهدي الذي شغل منصب رئيس الوزراء آنئذ، قبل أن ينقلب عليه كل من البشير والترابي.
بذلك، لا توجد أي حاجة إلى ميثاق اجتماعي جديد، بل هناك عقد اجتماعي واضح، من خلال المواثيق التي وُضعت قبل ذلك، وكذلك عبر هذه الوقفة الجماعية الواضحة التي اقتلعت نظام البشير، في حين يحتاج السودان إلى مساندة الحكومة الانتقالية بغير شروط، وعدم وضع عراقيل ومعوّقات في طريقها، وتأييدها بدون تحفظ، لتحقيق أهداف الانتفاضة وثورة ديسمبر المجيدة.
توجه عديد من الانتقادات إلى تيارات الإسلام السياسي في السودان، إذ يتم تحميلها مسؤولية الأزمات التي لحقت بالبلاد طوال العقود المنصرمة، باعتبار أن النقاش انصبّ على إسلامية الدستور، بينما لم يُسلط الضوء على النقاشات المتعلقة بالديمقراطية والوحدة الوطنية. تستعمل كثيرا مفهوم "الأمنوقراطية" خلال حديثك عن النموذج السوداني، وهنا يأتي تساؤلي: كيف وظف نظام البشير جهاز الأمن في الحفاظ على سلطته خلال الـ 30 سنة؟.
لم تستطع الحركة الإسلامية في السودان تقديم أي نموذج ديمقراطي متميز، فحتى مسألة الشورى، وهي أقل كثيراً من مسألة الديمقراطية، لم يكن هناك أي شكل من أشكالها طوال الثلاثين سنة المنصرمة التي حكم فيها نظام البشير، الذي كان يعتمد بالأساس على شخصية الترابي الكاريزمية، بالإضافة إلى جهاز الأمن.
لم يحاول النظام تقديم أي نموذج تحتذي به الحركات الإسلامية الأخرى، بل قدم نموذجا سيئا في القمع والفساد، وما حصل في السودان خلال 30 عاما يتعلق بفساد ونهب منظم جدا لأموال الشعب السوداني، وهو نموذج لا يوجد فيه أي قدر من الأخلاق وروح الإسلام.. لذلك الحركة الإسلامية في السودان استفردت بالحكم طوال هذه المدة، وأمسكت بكل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية، ولم تقدم ما أسمته المشروع الحضاري.
لقد اتضح أن المشروع الحضاري الإسلامي الذي تتحدث عنه هو مجرد شكل من أشكال العصابات التي تقوم على نهب أموال الشعب السوداني بطريقة منظمة. ما حصل في السودان ليس مجرد نكسة للحركة الإسلاموية، بل لكل الحركات الإسلاموية في العالم العربي، لأنها لم تستطع أن تقنع الجماهير بإتيانها بحكم مقبول أو مختلف بالنسبة للجماهير.
نجحت الاحتجاجات السودانية التي انطلقت في دجنبر 2018 في إحداث رجّة سياسية واجتماعية وفكرية بالبلاد، حيث تمثل شقها السياسي في فتح الباب للحديث عن الانتقال الديمقراطي، بينما تجسد الشق الاجتماعي في تصدر المرأة لمشهد الاحتجاجات، في حين تجلى الشق الفكري في المطالبة بمدنية الدولة. أين وصلت السودان في تحقيق هذه المطالب العابرة للمجالات؟.
طبعا، هناك نقاش محتد وواضح بخصوص مسألة مدنية الدولة، إذ يتحدث البعض عنها، والبعض الآخر عن العلمانية، لكن النتيجة واحدة. الشعب السوداني كأنه يقول لا للدولة الدينية، بل نريد دولة مدنية بغض النظر عن التسمية، فتكون النتيجة هي فصل الدين عن الدولة، بمعنى أن الدين شأن خاص والدولة شأن عام.
السودان دولة متعددة الثقافات والأديان والمعتقدات، ومن ثمّ من الصعب أن يسيطر دين ما أو عقيدة معينة، فمن أسباب فشل الحركة الإسلامية عجزها عن استيعاب التنوع الثقافي في السودان، وهو ما انتهى بفصل جنوب السودان، لأنها كانت تعتبر الجنوبيين غير مسلمين، وبذلك هم عقبة في طريق تكوين مشروع حضاري إسلامي صاف، وضحّت بالجنوب لتُقيم مشروعا حضاريا فاشلا.
لم يقدم إسلاميو السودان نموذجا جيدا لقبول الآخر المختلف، وهو شكل من أشكال الفشل الذريع، لأن الحركة الإسلامية لم تستطع إقامة دولة إسلامية قائمة على حق المواطنة، ما جعل الإحساس بمسألة المواطنة ضعيفا عند الإسلاميين في السودان، ومن ثمة فإن المطالبة بمدنية الدولة تعد شكلا من أشكال الدعوة إلى دولة المواطنة، حتى يتم ضمان المساواة بين المواطنين السودانيين بغض النظر عن العقيدة أو الدين أو الثقافة.
قلت في إحدى حواراتك السابقة إن الفقه الإسلامي السياسي لا يملك تراثا في مسألة الحكم، بحيث يغيب لديه فقه سياسي يكون بديلا في القرن الحادي والعشرين. لماذا لم يهتم الفقه السياسي الإسلامي بمسألة التداول السلمي على السلطة في الدولة الإسلامية؟.
الإسلام دين ودعوة، وليس دين ودولة، فلم نرَ طوال التاريخ الإسلامي شكلا يمكن القول عنه إنه يمثل الدولة الإسلامية، لأن الفقه السياسي الإسلامي لم يجب عن سؤال التداول السلمي على السلطة في الدولة الإسلامية، ومن ثمة لا يوجد أي شكل واضح لمسألة التداول هذه في الدولة الإسلامية طوال القرون الماضية.
لم يحصل تطور واضح بخصوص الفقه السياسي الإسلامي، إذ ألحظ أن الفقهاء اهتموا بكل تفاصيل الحياة، فيصفون حتى كيفية دخول "بيت الأدب"، لكن لم يجيبوا عن سؤال كيفية تغيير الحاكم في الإسلام لو كان ظالما أو غير منصف، ما يعني أن الفقه السياسي الإسلامي، وحتى الفقه الديني الإسلامي، لم يهتم بمسألة السلطة السياسية.
يعد تغيير الحاكم أهم سمة في علم السياسة، من خلال تحديد الأدوات التي تستطيع عبرها الجماهير استبدال حاكم معين دون اللجوء إلى العنف، وهو ما لم يحدث في المجتمعات الإسلامية طوال الـ 14 قرن، ما مرده إلى ضعف الفقه السياسي الإسلامي الذي لم يقدم أي نظرية سياسية للحكم.
المنطقة العربية غارقة في العنف الديني الذي أصبح حاضراً بقوة في الواقع المعيشي للمجتمعات، بسبب غياب قيم التسامح وقبول المختلف فكريا وعقائدياً، ما يعزز موجة التعصب الديني داخل بلدان المنطقة. ما هي المداخل الأساسية التي من شأنها القضاء على حواضن التطرف؟.
غياب الديمقراطية والحرية يؤديان إلى استخدام لغة العنف في فرض الرأي، فالديمقراطية الاجتماعية والسياسية غائبة في المنطقة العربية، من خلال الاعتماد على نظام تعليمي يقوم على التلقين عوض تكوين العقلية النقدية، ما يجعل الفرد العربي محافظاً ومتعصبًا ولا يقبل الاختلاف.
تنضاف إلى ذلك الثقافة السائدة المحافظة التي لا تدع أي مجال للإبداع، لأن الحرية في الإبداع والتفكير، إلى جانب الحرية في السلوك الفردي والاجتماعي، عوامل أساسية للقضاء على حواضن التطرف والعنف؛ لكن بدون تغيير طبيعة الأنظمة السياسية في ما يتعلق بالجوانب التعليمية والثقافية فستظل المجتمعات العربية بؤراً للتعصب والعنف.
(مقاطعا) الحديث عن التعصب في المنطقة يقودنا إلى تسليط الضوء على أشكال العنف الديني، التي ترتبت عن الفوضى التي سادت منطقة الـ MENA بعد اندلاع "انتفاضات 2011". في نظرك، ما الذي جعل الأفراد ينخرطون في التنظيمات الإرهابية العنيفة؟.
الفرد العربي كان مغيّبا ومهمّشا تماما في كل أشكال المشاركة الحديثة في السلطة والثروة، ما أدى إلى نشوء وعي زائف في المنطقة، ثم أتت هذه التنظيمات والكيانات التي تدعي امتلاكها البديل مهما كان متخلفا، إذ استطاعت "داعش" و"القاعدة" وغيرهما من التنظيمات الإٍرهابية أن تملأ الفراغ في السلطة السياسية في المنطقة.
إن منع الناس عن التفكير الحديث ولد فراغاً، ونشأ عنه شكل من أشكال الوعي الزائف، لكن الحركات العصبية والإرهابية تمكّنت من ملئه، خاصة عندما لعبت بالعواطف الدينية، وهو أمر سهل في المنطقة العربية، لأن الفرد ليس محصنا بشكل جيد، من خلال الثقافة النقدية والتعليم الجيد، ما من شأنه أن يقف ضد تلك التيارات التي أن تعشش داخلها.
سؤال أخير يتعلق بوباء "كورونا" الذي ساءل منظومتنا الثقافية في المنطقة، من خلال ردود الفعل المتفرقة بشأن تفشي الفيروس، لاسيما ذات الصلة بالتفسيرات الدينية الشخصية. كيف عرّت "أزمة كورونا" الواقع التعليمي لمجتمعاتنا؟.
التفسير الذي قدمه بعض الأشخاص بأن "كورونا" عقاب إلهي يبقى نظرية متهافتة، لأن الوباء أصاب الناس المتدينين، ومات جراءه كثير من المتدينين، فلو كان عقابا إلهياً لماذا سيعاقبهم علما أنهم يمضون وقتهم في عبادة الله؟..أما تداعياته الصحية فأرى أنه كشف عن عدم اهتمام البلدان العربية بالأنظمة الصحية، إذ لم تواجه الوباء بصورة جيدة، ما جعله فضيحة كاملة للبلدان العربية التي لا تلبي حاجيات المواطنين الأساسية المتصلة بالصحة والتعليم.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات