القائمة الرئيسية

الصفحات

فتح المساجد.. إلى متى؟
فتح المساجد.. إلى متى؟
 د. رشيد بنكيران

بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر في مقاومة انتشار وباء كورونا كوفيد 19 بالاعتماد على الحجر الصحي وأخذ أسباب الاحتياط، أصبح من المؤكد الآن أو القريب منه أن خلو بلد مما عرف هذا الوباء من أي مصاب به بعيد المنال ونادر الوقوع، ولهذا اضطرت الدول بمؤسساتها الرسمية وغير الرسمية إلى التفكير في إيجاد طرق وإحداث أساليب للتعايش مع هذا المعطى أو الواقع الذي فرض نفسه على الجميع، والذي يظهر أنه سيمتد لشهور طويلة أخرى، لا قدر الله، ولسان تلك الدول وحالها يرفعان عقيرتهما بضرورة التعايش مع هذا الوباء العنيد مع أخذ أسباب الاحتياط قدر الإمكان والمستطاع إلى حين تغير الحال إما باختفائه ـ وليس على الله بعزيز ـ أو صنع تلقيح مضاد له ومطمئن العواقب.

ولا يخفى على عاقل على أن سياسة التعايش مع هذا الوباء أملتها ضرورات كثيرة متنوعة المجال والقطاع، فمنها:

ـ ما يتعلق بجانب التربية والتعليم، فهناك اختبارات مدرسية يجب إقامتها، وتهيئة الموسم الدراسي المقبل وإعداد مستلزماته؛

ـ ما يتعلق بقطاع الصحة والتمريض، فإن المستشفيات عطلت برامجها العادية لأجل استقبال مرضى ومصابي بوباء كورونا، وتضرر الناس كثيرا بسبب ذلك؛

ـ ما يرتبط بالقطاع الاقتصادي سواء ما تعلق بالصناعة الحديثة أو التقليدية أو بالتجارة الكبيرة أو الصغرى، فالناس مرت عليهم ثلاثة أشهر وهم في كبد ونصب شديدين بسبب الحجر الصحي عليهم؛

ـ لا ننسى كذلك الجانب النفسي الذي عاشه الناس إثر بقائهم في بيوتهم مدة الحجر الصحي، والذي يقتضي لمعالجته والتخفيف من آثاره السلبية السماح لهم بالسفر والاستجمام في حدود مناسبة لمبدأ التعايش مع الوباء. وغيرها من الضرورات التي كانت نتيجة الحجر الصحي الذي كان من أعظم الوسائل في التقليص من انتشار وباء كورونا كوفيد 19.

وإذا كنا تحدثنا عن هذه الضرورات الملحة الذي فرضها المعطى الجديد فلا ينبغي أن تغيب عنا كذلك الضرورة المتعلقة بفتح المساجد، لا يخفى في ميزان الشرع ودليل الواقع أن حاجة الناس إلى بيوت الله لا تقل عن حاجتهم إلى المؤسسات التعليمية، ولا تقل عن حاجتهم إلى المؤسسات الاستشفائية كالمستشفيات والمصحات الطبية، ولا تقل عن حاجتهم إلى المؤسسات الاقتصادية كالمعامل والأسواق وأماكن التجارة، وغيرها من المؤسسات التي تصنف الحاجة إليها في مرتبة الحاجيات العامة وتصعب الحياة دونها صعوبة شديدة، وتنزل الحاجيات فيها منزلة الضرورة وفق مقاصد الشريعة ومراتبها. نعم، قد نتحدث عن مراتب هذه الحاجيات فيما بينها ولكن لا نختلف عن أصل الحاجة إليها جميعا.

وبناء عليه، فإن مبدأ التعايش مع هذا الواقع يجب أن يعمم حتى في فتح المساجد، ويتعين على الجهة المسؤولة أن تجد حلولا واقعية وموافقة لأدلة الشرع ومقاصد شريعته تمكن الناس من استيفاء حاجتهم من المساجد دون استعمال لغة الخشب البعيدة عن المعقول والواقع.

ولا يقال إن القطاعات الأخرى يمكن فتحها مع أخذ الاحتياطات الممكنة من باء كورونا بخلاف المساجد، فالواقع أثبت أن فتح المساجد ممكن مع أخذ الاحتياط المطلوب، وأدلة الشرع لا تعارض مقتضيات هذا الاحتياط من تباعد بين المصلين، فلا يسقط الميسور بالمعسور. وعجبت لمن قال بجواز الصلاة مع إمام بعيد عنه بعشرات الكيلومترات من خلال التلفاز وما شابه ويمنع صلاة الجماعة مع إمام يوجد معه في نفس المكان مع تباعد مسافة متر بين المأمومين.

وإسهاما مني في إيجاد الحلول المناسبة لفتح المساجد مع التعايش مع هذا الوباء وأخذ الاحتياط أقترح الأمور الآتية:

– التفرقة بين مناطق التي ينتشر فيها الوباء وبين أخرى خالية من هذا الوباء، أو أصبح الوباء فيها قليلا شبه منعدم، فتفتح المساجد في المناطق الخالية أو شبه الخالية من الوباء نظرا لعدم وجود المسوغ الشرعي لغلقها.

– الاستفادة من تجربة الدول التي فتحت مساجدها واقتباس ما يصلح من التدابير التي اتخذتها لتحقيق سلامة المصلين، فكما نستفيد من تجارب تلك الدول في الأساليب التي ابتكرتها للتعايش مع هذا الوباء في مجال الاقتصاد ومجال التعليم ومجالات أخرى، فكذلك نستفيد منها ما يخص الأسلوب الذي سلكته لفتح المساجد مع التعايش مع الوباء.

– اعتماد الرخصة المبيحة للصلاة مع تباعد المصلين فيما بينهم، للضرورة الداعية إلى ذلك.

– الإذن بالصلوات الخمس لإمكانية أدائها مع هذا الأحوال بخلاف صلاة الجمعة.

– إدماج المجمتع المدني الممثل في الجمعيات الخاصة بالمساجد أو جمعيات الحي في تسيير عملية فتح المسجد للمصلين وإغلاقه وتدبير حاجيات المسجد وتنظيفه وتعقيم بساطه إن لزم الأمر.

– الزام الراغبين في الصلاة في المساجد أن يأتوا وهم على وضوء حتى نتجنب خطورة الوضوء في المسجد، مع ارتداء الكمامة خارج المسجد وداخله وأثناء أداء الصلاة، وحمل سجادة خاصة بهم للصلاة عليها.

هذا فيما يخص المناطق الخالية من الوباء، أما المناطق الأخرى التي لا يزال الوباء منتشرا في صفوف سكانها فإن الأمر بإغلاق المساجد هو الموافق للأدلة الشرعية. ومساجد هذه المناطق هي التي لا يجوز قياسها على المرافق التي سمح بفتحها رغم وجود الوباء بها، لأن الظن بانتقال العدوى أثناء الصلاة في المساجد كبير، والغالب على الناس في هذه الأحوال أنهم سيصلون وهم غير مطمئنين، وهذه الحالة تنافي بعض مقاصد الصلاة.

وأخيرا، إذا كنا نبدي رأينا في خصوص هذا الموضوع، فإن الفتوى الملزمة للجميع لها جهتها الرسمية الخاصة بها، فلا نزاحمها في ذلك، ولكن هذا لا يمنع شرعا أن نبين الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع ونسائل الجهة الرسمية فيما ذهبت إليه، فغيرتها على المساجد ليست أكبر من غيرتنا عليها، وإذا كانت تلك الجهة مسؤولة شرعا ودستورا فهذا لا يعفينا من أن نفكر في إيجاد حلول واقترحها لها وللرأي العام.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات