القائمة الرئيسية

الصفحات

مستقبل دول إفريقيا بعد الجائحة .. اختيارات عسيرة وتوجهات حذرة

مستقبل دول إفريقيا بعد الجائحة .. اختيارات عسيرة وتوجهات حذرة
مستقبل دول إفريقيا بعد الجائحة .. اختيارات عسيرة وتوجهات حذرة
تكشف توجّهات الرأي العام في دول أفريقيا جنوب الصحراء عن مخاوف حول مستقبلها، وكيفية تكيّفها مع جائحة "كورونا"، وسبل مواجهتها لاختلال التّوازنات بين الرعاية الصحية والاستقرار الاقتصادي. وهو ما تعمّقه، وفق دراسة نشرت بـ"سلسلة دراسات" التي يصدرها مركز المستقبل للأبحاث والدّراسات المتقدّمة، حالة "عدم الاستقرار السياسي والأمني، وتزايد معدّلات الفقر، وهشاشة الاقتصادات في العديد من الدول الإفريقية".
وسجّلت الدراسة التي أعدّها مصطفى ربيع، رئيس برنامج المؤشّرات وتحليل البيانات بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة في أبوظبي، وجود مجموعة من العوامل التي تدفع نحو التفاؤل بقدرة دول القارّة الإفريقية على تجاوز الأزمة، خاصّة "البنية الديموغرافية الشّابّة، وخبرات التّعامل مع الأوبئة، والاستجابة المبكّرة لهذه الدول، وتبنيها إجراءات احترازية متوازنة"، مع إشارة هذا العمل البحثي إلى أن "تزايد الإصابات والوفيات في دول القارة الإفريقية مستقبَلا قد يضعها أمام اختيار صعب يتطلّب حشد الموارد الوطنيّة والتعاون الإقليمي والدّعم الدّولي لاجتيازه".
وذكرت دراسة "مركز المستقبل" أنّ انخفاض مستويات الإصابة وأعداد الوفيات في دول أفريقيا جنوب الصحراء يرافقه "ضعف نظم الرّصد ومحدودية اختبارات الإصابة"، وأوردت في هذا السياق وصف مجموعة من المحلّلين تفشّي فيروس كورونا في هذه الدول بكونه "جائحة صامتة".
وقال الكاتب شارحا: "رغم الانخفاض النسبي في أعداد الإصابات والوفيات المسجّلة نتيجة تفشّي كورونا بإفريقيا جنوب الصّحراء، فإنّ التّقديرات تؤكّد تفشّي الفيروس بسرعة كبيرة وعلى نطاق واسع في هذا الإقليم، نظرا لانخفاض عدد الفحوصات التي يتمّ إجراؤها في إفريقيا".
وأبرزت الدراسة أنّه رغم تقديم الإحصاءات الأخيرة أفريقيا جنوب الصحراء على أنّها ما تزال تتمتّع بوضع جيّد نسبيّا مقارنة بأقاليم العالَم والأخرى، فإنّ المقلق للغاية هو "تسارع أعداد الإصابات في دول إفريقيا في الفترة الأخيرة".
واستشهد الدراسة بالتّقديرات المستقبلية للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، التي قدّرت تراوح أعداد الإصابات في إفريقيا مع نهاية الجائحة بـ123 مليونا، كما قدّرت تراوح عدد الوفيات بين ثلاثمائة ألف ومليونين وأربعمائة ألف وفاة في إفريقيا.
وسجّل الباحث في هذا السياق أنّ الغموض وعدم اليقين حول مسارات الفيروس المستقبلية ما يزال مستمرّا في العالَم عامّة وإفريقيا خاصّة، ممّا يعني عدم إمكان تحديد مدى دقّة هذه السّيناريوهات المقدّمة، ووجوب "الحذر أثناء قراءتها".
وذكّر الدراسة بتوجهات الرأي العامّ الإفريقي قبل الجائحة من خلال بيانات الباروميتر الإفريقي في الفترة المتراوحة بين سنتَي 2016 و2018، حيث تحدث نصف الأفراد المشاركون في المسح عن معاناتهم مرة واحدة على الأقلّ خلال العام السابق للمسح من عدم توفّر الغذاء، وعدم توفّر المياه النظيفة... مع أرقام أخرى "تؤكد معاناة الأفارقة قبل أزمة كورونا"، إلى جانب مؤشرات عدم رضا الأفراد عن الرعاية الصحية، والانقسام المجتمعي حول الأداء الحكوميّ المتمثّل في تعبير أكثر من نصف الأفراد المستطلعةِ آراؤُهُم عن رؤيتهم أنّ دولهم تسير في الاتجاه الخاطئ، ممّا يعني أنّ "أي أزمة تتعرض لها منطقة إفريقيا جنوب الصحراء سوف تعمّق مأساة شعوبها"، مع تسجيل الدراسة وجود تفاوتات كبيرة بين دول المنطقة، وتمتّع بعضها بوضع أفضل نسبيا من الأخرى.
وكشفت نتائج استطلاع رأي أوردته دراسة مركز المستقبل، تزايد مخاوف الأفراد في دول إفريقيا جنوب الصحراء من تفشّي فيروس كورونا، مع التحسّب للتداعيات الاقتصادية والاجتماعية المترتّبة عن الجائحة، وهي مخاوف، يورد العمل البحثي نفسه، تدعمها تقديرات الأمم المتحدة التي أظهرت أن الدول الإفريقية قد تشهد العديد من التّهديدات بسبب "كورونا"، وأنّ هذا الفيروس قد يؤثّر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بتراجع الميزان التجاري، مع ارتفاع معدّلات البطالة، ومخاوف انهيار سلاسل التوريد المحلية، وتوقف بعض الأنشطة الاقتصادية.
كما تتنبّأ هذه التقديرات، حَسَبَ المصدر ذاته، بحدوث ركود اقتصادي واسع، وأزمة ديون، وضائقة مالية، في حالة استمرار الإغلاق لفترة طويلة، مع الحديث عن "تأثيرات اجتماعية" أبرزها المخاوف من ارتفاع عدد الوفيات في القارّة الإفريقية، والتّأثير السلبي على الفئات الهشّة، وتزايد عدم المساواة، ممّا قد ينتهي باضطرابات اجتماعية في قارّة تعاني أساسا من مشكلات كثيرة، مع وجود مخاوف "تآكل الثقة" وحدوث اضطرابات سياسية قد يصاحبها العنف، خاصّة على المدى الطّويل.
وورد في دراسة مصطفى ربيع حديث عما تسبّب فيه تفشّي فيروس كورونا من تصاعد في التّفكير التّآمري، وانتشار التّبسيط والاختزال، وهيمنة المعتقدَات التقليدية لدى المجتمعَات في الدّول المتقدّمة والنامية على حدّ سواء، للتّكيّف مع حالة الخوف وتهديدات البقاء في ظلّ حالة عدم اليقين حول مصير الأفراد.
وربطت الدراسة ذلك بـ"التضليل المعلوماتي، وانتشار الشّائعات، وتضارب الآراء حول مصدر العدوى ومآلات الوباء"، مذكّرة بأنّ هذه المعتقدَات والأفكار تسهِم وسائل التواصل الاجتماعي والتقليدي ومزاعم بعض القادة السياسيين في التيارات اليمينية والشعبوية في تضخيمها.
كما تحدّثت عن انتشار اعتقادات في الحماية الجينية والمناخية، وتزايد ممارسات التمييز والتعصّب تجاه البعض، مثل الآسيويين، والمتعافين من فيروس "كورونا"، وانتشار سرديات الحرب البيولوجية، علما أنّ "التّفكير التّآمري لا يفرّق في انتشاره بين الدّول النّامية والمتقدّمة والمجتمعات التّقليدية والحداثية".
وسجّلت دراسة مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة وجود تقييم إيجابي بإفريقيا للاستجابة الحكومية لمواجهة أزمة "كورونا"، بلغت 69 في المائة في دول أفريقيا جنوب الصحراء، مع ثقة كبيرة في القيادات الطبية والمجتمعية، وتأييد للإجراءات الاحترازية رغم معدلات الفقر، مع وجود أقلية مؤثّرة ترفض هذه الإجراءات، وهو ما يظهر في الإجماع شبه التام على إغلاق المدارس، مع التأييد المتفاوت لإغلاق أماكن العبادة، حسب الاختلافات الثقافية بين شعوب القارّة، مع نسبة دعم لإغلاق أماكن العمل والأسواق ووسائل النّقل تبلغ نسبة 69 في المائة.
ومع عدم اكتمال ملامح جائحة كورونا في دول إفريقيا جنوب الصحراء، سجّلت الدراسة أنّ مشهد تفشي الوباء شديد الضبابية والغموض، ويكتنفه عدم اليقين حول الواقع الفعلي، وهو ما انعكس على توجّهات الرّأي العام بهذه الدول الإفريقية.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات