القائمة الرئيسية

الصفحات

taroudant press سبيلا يحذر من "انقراض العرب" لعدم مسايرة الثورة العلمية للغرب تارودانت بريس

taroudant press   سبيلا يحذر من "انقراض العرب" لعدم مسايرة الثورة العلمية للغرب  تارودانت بريس
taroudant press   سبيلا يحذر من "انقراض العرب" لعدم مسايرة الثورة العلمية للغرب  تارودانت بريس
قال المفكر المغربي محمد سبيلا إن العرب يوجدون، اليوم، أمام تحدٍّ تاريخي مصيري يتمثل في ضرورة ربْح رهان التحديث والتقدم العلمي والفكري، وهو مُبتغىً يقتضي منهم نيْله مضاعفة جهودهم من أجل بلوغه، لجسْر الهوة الهائلة التي تفصل بينهم وبين الغرب في هذا المجال.
وذهب سبيلا إلى القول، في معرض حديثه ضمن ندوة عبر التناظر الرقمي، نظمها حزب جبهة القوى الديمقراطية، مساء الأحد: "إذا لم نَسِرْ في اتجاه مواكبة التحولات العميقة التي يعرفها العالَم الحديث، في ما يتعلق بالثقافة الرقمية والمعلوميات، فنحن متجهون إلى الانقراض".
ويرى سبيلا أن دور المثقف اليوم في المجتمع لا ينبغي أن يظل منحصرا فقط في المسؤوليات الكلاسيكية، من قبيل التأطير الفكري للعمل السياسي والنقابي والجمعوي، بل عليه أن ينتقل إلى تقديم وتحليل التحولات التكنولوجية، خاصة في المجالات المستجدّة، كالفهم البيولوجي للإنسان وخريطته البيولوجية.
وأشار المتحدث إلى أن المثقف العربي مازال يغفل هذا الجانب، في حين أن العقل الغربي انتقل إلى ما سمّاه "عصر مُجاوزة الإنسان"؛ وذلك بجعل جسد الكائن البشري وعاء لتجريب التطورات التقنية والمعرفية والرقمية، ومن ذلك إقحام الشرائح الإلكترونية فيه، لافتا إلى أن "هذه التحولات الرهيبة غائبة عن الوعي العربي، وهذه من بين الأدوار التي تتعين على المثقف العربي مواكبَتها".
واعتبر المفكّرُ المغربي أن الحقل الثقافي العربي يشهد حركية متميزة، رغم الصعوبات ومختلَف أشكال التعثرات التي تحاصر المثقفين في المنطقة، متحدثا عن تجربة منطقة المغرب الكبير، الذي قال إنّه يضم نخبا عصرية مؤمنة بالتقدم وبالتحديث، وتعمل على إحداث تجديد فكري، وتساير التطورات التي يعرفها العالم.
ورغم وجود هذه الحركية الثقافية في المنطقة، فإن سبيلا يرى أنّ ثمّة فجوة هائلة بين المثقف العربي ونظيره الغربي مازالت قائمة، إنْ على مستوى ما راكمه هذا الأخير من رصيد هائل على مستوى الإنتاج الفلسفي، والذي يجعل الفوارق بينهما، يردف المتحدث، "تُقاس بقرون من الزمن"، أو على مستوى متابعته للإنتاج الفكري في مجال العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية، معتبرا أن المثقف الغربي حقق في هذا المضمار "أشكالا رهيبة من التقدم".
ويرى أستاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس الرباط أن التقدم الهائل والمستمرَّ الذي تعرفه دول الشمال وبعض دول الشرق كاليابان والصين، على مستوى الإنتاج العلمي الحديث، يُلقي بتحديات ثقافية وفكرية إضافية على كاهل المثقف العربي، تنضاف إلى مهامه الكلاسيكية المتمثلة في التأطير الفكري والثقافي، وزاد: "مطلوب من المثقف العربي اليوم محاولة تتبع المستوى الذي وصل إليه الوعي الكوني الذي يتطلب فهمُه نخبا ثقافية متمرسة تتمتع بمستوى فكري عال، سواء في ما يتعلق بالفلسفة، أو الفلسفة العلمية التي تحاول فهم الثورات التكنولوجية والبيوتكنولوجية التي حدثت في الغرب، والتي يتم إخضاعها من طرف الغربيين للتشريح، ولكن نحن في العالم العربي مازلنا على مبعدة من هذه التحولات العميقة".
وعرّج المفكر المغربي في مداخلته على الأسباب التي أدّت إلى تراجع دور المثقف العربي في التأطير المجتمعي، والانخراط في التوجيه الفكري للعمل السياسي والنقابي والجمعوي، أو ما سمّاه "خسوف المثقف العضوي"، في عصرنا الراهن، إلى جملة من الالتباسات التاريخية والمجتمعية المتشابكة.
وتحدث سبيلا عن التجربة المغربية، مشيرا إلى أن المرحلة التأسيسية للحركة التقدمية ببلدنا شهدت بروز العديد من المثقفين الرواد المرتبطين بالفكر الاشتراكي التقدمي وبالتحولات الاجتماعية ونبْض المجتمع، مثل الفيلسوف محمد عابد الجابري، والسوسيولوجي محمد كسوس، والعشرات من المثقفين الآخرين...وسجّل أن هذه النخبة من المثقفين كانت رائدة وفعالة وحظيت باحتضان تاريخي ورعاية من طرف الحركة التقدمية، وكانت النقاشات التي سادت في عهدها قوية وتميزت بحوار فكري عميق، وسجلت لحظاتٍ من العمق لم يستطع التاريخ اللاحق أن يتجاوزها؛ كما كان المثقّف معبّرا عن الوعي الثقافي الريادي في تلك المرحلة.
ولكن بعد هذه المرحلة، يضيف سبيلا، بدأت التباسات متعلقة ببروز نزَعات أكاديمية تعطي الأولوية للبحث الأكاديمي في الجامعة على حساب النضال الثقافي العضوي في المجتمع، سواء داخل الإطارات الحزبية أو النقابية أو الجمعوية، على اعتبار أن المثقف مرتبط بوضعية أكاديمية دقيقة تقتضي منه متابعة آخر الإنتاجات الفكرية، ومواكبة التطور العلمي في مجاله، وليس النزولَ إلى الشارع لتأطير المجتمع ومكوناته السياسية والنقابية والجمعوية...
وأضاف المتحدث ذاته أن هذه "النزعة الأكاديمية" تقوم على فكرة أنّه ليس من السهل أن يجمع المثقف بين الدور التاريخي الريادي والتأطيري للنضالات، وبين مواكبة التطور المعرفي على المستوى الكوني، وترجِّح الاختيار الثاني، "لأن دور الجامعة هو تلقين المعرفة والبحث والاجتهاد".
الالتباس التاريخي الثاني الذي يرى سبيلا أنه دفع المثقف العضوي إلى التراجع عن دوره في التأطير داخل المجتمع يتمثل في تداعيات الجدال الذي أثير حول ما إذا كانت الأنتلجنسيا (النخبة المثقفة) تتسم بـ"الطهرانية"، ولا تسعى إلى نيل مصلحة غير الرقي بالمجتمع وتطويره، أم إنها مثل مختلَف النخب الأقرب إليها، كالنخبة السياسية، لديها أطماع ومصالح شخصية، وقابلة لأن "تتلوث بالتاريخ"، وفق تعبير المفكر عبد الله العروي.
وخلُص سبيلا إلى أن هذين الالتباسيْن انعكسا على النخبة المثقفة، وحصل لديها انكماش يتراوح بين خيبة الأمل وسوء النية، نتيجة ما سمّاه "استخلاصات سلبية من التاريخ"، مبرزا أن هذا هو "سرُّ خسوف المثقف وتحوُّلِه من مرحلة إشعاع وتنوير وحماس إلى مرحلة فيها قليل من النزعة الأكاديمية والشعلة التنويرية لم تبق بنفس القوة والإشعاع الذي كانت عليه في زمن سابق".
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات