القائمة الرئيسية

الصفحات

"عبودية القرن 21" .. هكذا تتحول سجون أمريكا إلى أسواق نخاسة

"عبودية القرن 21" .. هكذا تتحول سجون أمريكا إلى أسواق نخاسة
"عبودية القرن 21" .. هكذا تتحول سجون أمريكا إلى أسواق نخاسة
يصفها السجناء السابقون بـ"العبودية"، وتعتبرها الحكومة الأمريكية والشركات الخاصة إعادة تأهيل للسجناء، لكن الثابت في قضية عمالة السجون في الولايات المتحدة أن أجورها تبقى زهيدة جدا بالمقارنة مع نوعية العمل الذي يقوم به السجناء.
تشير تقارير عدة لمنظمات حقوق الإنسان إلى أن عدد السجناء في الولايات المتحدة يتجاوز مليونين و300 ألف سجين، موزعين على سجون فيدرالية وأخرى محلية، بالإضافة إلى سجون تشرف عليها شركات خاصة في ولايات عدة.
هذا الرقم، حسب منظمة "مشروع العدالة"، التي تعد إحدى أكبر المنظمات الأمريكية التي ترافع على قضايا السجناء، يمثل 25 في المائة من الساكنة السجنية في العالم، في حين إن الأمريكيين لا يمثلون سوى 5 في المائة من مجموع سكان العالم.
وإذا كانت السجون تثقل كاهل ميزانية الدولة، فإنها أيضا تعد مصدرا للإنتاج، سواء لصالح الحكومات المحلية أو الشركات الخاصة، خلال المدة التي يقضيها السجين خلف القضبان.
تستمد عمالة السجون في الولايات المتحدة جذورها من التعديل الثالث عشر للدستور الأمريكي، الذي تمت المصادقة عليه سنة 1865 ووضع حدا للعبودية، لكنه سمح بالعمل القسري في حق "المجرمين" ومن يحكم عليهم بالسجن.
في دراسة أعدها الخبير الاقتصادي أستار بيير سنة 2004، تحت عنوان "تحليل اقتصادي لعمالة السجون في الولايات المتحدة"، قدرت قيمة ما ينتجه السجناء الأمريكيون بـ 9 مليارات دولار في السنة، في حين تبقى الأجور التي يتقاضونها زهيدة.
هسبريس تحدثت إلى عدد من السجناء السابقين حول تجربتهم خلف القضبان، ومسألة العمالة في السجون، ولم يترددوا في وصف ما يتعرض له نزلاء المؤسسات السجنية الأمريكية بـ"العبودية الحديثة"، وربطوا ذلك بما اعتبروه "استمرار العنصرية في الولايات المتحدة".
هيربرت موراليس، سجين سابق في ولاية نيويورك، ربط بين العمالة في السجون والعنصرية النظامية في الولايات المتحدة، قائلا إن "ارتفاع أعداد السجناء يرتبط بالعنصرية النظامية وإنفاذ القانون، فحينما يتم إلقاء القبض على أعداد كبيرة، تبرز الحاجة إلى إيجاد أماكن تكون بمثابة سجون لهم، ما يتسبب في كثرة السجون واكتظاظها".
وفي السياق ذاته، قالت الناشطة الحقوقية أشلي أسموس، في ولاية مينيسوتا شمال البلاد، إن "وضعية السجون فظيعة"، على حد وصفها، مشيرة ضمن حديث لهسبريس إلى أن "عددا من السجناء تتم إدانتهم في جرائم غير عنيفة، ويتم منعهم من الزيارات العائلية، ما جعلنا ننادي بإطلاق سراحهم خلال الأزمة الحالية لكوفيد-19".
"عبودية" و"استغلال"!
تقوم إدارة السجون التابعة للحكومة المحلية بولاية نيويورك بالإشراف على 52 مؤسسة سجنية، فيما يطلق اسم "Corcraft" على علامتها التجارية التي تقوم بإنتاج عدد من المنتجات الصناعية.
قبل جائحة كورونا، كانت هذه المؤسسات تنتج صفائح ترقيم السيارات، وملابس السجناء، والبدلة الرسمية لموظفي السجون، بالإضافة إلى أثاث المؤسسات الحكومية في ولاية نيويورك، لكن الإنتاج خلال الأشهر الأخيرة انصب على الكمامات والمعقمات.
وحسب عدد من السجناء الذين أمضوا سنوات خلف القضبان واشتغلوا في "كوركرافت"، فإن درجات الرواتب في هذه السجون تتراوح بين 16 و72 سنتا في الساعة، ولكن يمكن لسجينين فقط في كل مؤسسة أن يحصلا على 72 سنتا، ويبقى المعدل يتراوح ما بين 20 و30 سنتا.
وتحدث فيليب ميلر، سجين سابق أمضى 17 سنة في السجن، عن تجربته، وعن الأجور التي وصفها بـ"الزهيدة"، وكذا نوعية المنتجات التي تنتجها المؤسسات السجنية.
وقال ميلر في تصريح لهسبريس: "السجناء هم الذين يحافظون على استمرارية السجون من خلال الإنتاج والصيانة، فالأمن يتواجد فقط لفرض النظام، في حين إن السجناء هم من يديرون غرفة الغسيل ويعدون الطعام، ويقومون بالنظافة وأعمال البناء والصيانة"، مضيفا: "بدون هؤلاء السجناء، ستتوقف هذه السجون عن العمل".
واعتبر إيفان ميسولا، ناشط حقوقي في "الجمعية الإصلاحية" التي تدافع عن حقوق السجناء، أن عمالة السجون في الولايات المتحدة بمثابة "سرقة للعمال وهضم لحقوقهم"، موردا أن الحكومة تقوم باقتناء ما يتم إنتاجه داخل السجون، و"المثير للسخرية أن الكثير من المعدات التي تحتاجها المؤسسات العامة هي من صنع السجناء، وعلى مدى سنوات دراستي، كل كرسي جلست عليه في المدرسة هو من صنع السجناء".
صانع مكتب حاكم نيويورك
يسترجع هيربرت موراليس الذي أمضى 33 سنة في السجن جوانب من ذكرياته، ويقول إنه اشتغل في "كوركرافت"، وقام بصناعة المكتب الخشبي للحاكم الأسبق لولاية نيويورك، ماريو كوومو، "وفي المتوسط، نحصل على ما بين 1.25 و1.50 دولارا في اليوم".
وأضاف موراليس في حديث لهسبريس أن "شركة كوركرافت تقوم بمنح بعض المكافآت للسجناء، وذلك بمضاعفة ما حصلوا عليه في اليوم بنسبة 100%، لكن ذلك يبقى نادرا بالنظر إلى أن الأشخاص الذين يحصلون على هذا الأجر غالبا ما يكونون قد أمضوا أكثر من 10 سنوات في السجن، كما أن سجينين فقط في كل مؤسسة يحصلان على هذه المكافأة".
هذه الأجور الزهيدة دفعت عددا كبيرا من المنظمات الحقوقية إلى الدعوة إلى إصلاح السجون في الولايات المتحدة، وربط ذلك بإصلاح نظام العدالة الجنائية الذي ساهم منذ بداية تسعينيات القرن الماضي في ارتفاع أعداد نزلاء السجون.
وأضاف موراليس في هذا السياق: "هؤلاء السجناء يثبتون أنهم حقا قادرون على العمل، وأنهم عناصر مسؤولة ومنتجة للمجتمع".
السجين السابق محمد تيلر، الذي أمضى 27 سنة في سجون ولاية نيويورك، استحضر بدوره بعض مشاهد استغلال الأمريكيين من أصول أفريقيا في الضيعات الفلاحية من قبل البيض، وقال في حديث لهسبريس: "عمالة السجون لا تعدو أن تكون عبودية حديثة، كنت أحصل على 12 دولارا في الشهر، إنه من الجنون أن نتحدث عن هذا الأجر".
وأضاف: "هذا نظام حديث للعبودية أكثر تعقيدا، السجناء في ولاية أخرى لا يتوفرون على هذا الأجر، ولا يوجد أي تعبير آخر لوصف ما يتعرض له السجناء إلا أنه عبودية".
العمل أو السجن الانفرادي
لا يصنف ما يقوم به نزلاء السجون على أنه "عمل"، وإنما يوضع في خانة البرامج التأهيلية التي تشرف عليها المؤسسات السجنية في الولايات المتحدة لتحضير السجناء لمرحلة ما بعد السجن.
لكن فيليب ميلر قال إنه "بمجرد تكليف السجين بمهمة في هذه البرامج، يتوقع منه أن يعمل، لكن في حال رفضه يتم نقله إلى السجن الانفرادي"، مردفا: "بالنسبة لأغلب السجناء لا توجد خيارات أخرى، ويضطرون للعمل".
ولا يختلف الوضع كثيرا في السجون المحلية في ولاية مينيسوتا؛ إذ يتقاضى السجناء 12 سنتا في الساعة، كما فرض عليهم العمل خلال الأشهر الأخيرة على الرغم من انتشار وباء كورونا في مختلف أرجاء البلاد.
وفي هذا السياق، وصفت سنيفاني بي، عضو "لجنة العمال المسجونين"، وهي منظمة أمريكية غير حكومية، ما يتعرض له المساجين في هذه الولاية بـ"العبودية"، مشيرة في حديث لهسبريس إلى أنه "يفرض على السجناء الذين يرفضون العمل السجن الانفرادي، ولا يسمح لهم بالخروج من الزنزانة إلا لمدة ساعة واحدة فقط في اليوم".
وحاولت هسبريس التواصل مع إدارة السجون في مينيسوتا ونيويورك من أجل الحصول على وجهة نظرها حول الادعاءات الواردة على لسان السجناء ونشطاء حقوق الإنسان، لكننا لم نحصل على أي إجابة.
مهارة أم استغلال؟
يثار السؤال حول ما يستفيد السجناء من هذه العمالة، في وقت تؤكد فيه إدارات السجون في مختلف الولايات المتحدة أنها تعمل على إعادة تأهيلهم وتمكينهم من مهارات تعبد الطريق أمامهم لإيجاد فرص شغل جديدة وطي صفحة السجن، في حين تختلف التجارب من سجن إلى آخر، ومن ولاية إلى أخرى.
وقال فيليب ميلر إنه "من المؤكد أن بعض الأشخاص يطورون مهاراتهم التقنية بالنظر إلى وجود مزايا في أي وظيفة، إلا أن حجم العمل الذي يقومون به يفوق الأجور التي يتقاضونها".
وعلق هيربرت موراليس عن هذه الأجور بأنها "ظلت في المستوى نفسه منذ بداية سبعينات القرن الماضي على الرغم من ارتفاع الأسعار ومصاريف العيش"، مضيفا أن "السجون لا تعد نزلاءها لسوق العمل".
وفي السياق ذاته، أشار السجين السابق محمد تيرل إلى أن "المهارات المهنية التي يكتسبها السجناء ما تزال هي نفسها منذ الخمسينات، فهم لا يتكتسبون تكنولوجيا القرن الواحد والعشرين اللازمة من أجل المنافسة، وإنما هي مهارات يدوية، كما أن برامج الالتحاق بالجامعات تبقى قليلة للغاية".
تقول منظمة "مبادرة سياسة السجون"، في تقرير لها صدر سنة 2018، إن نسب البطالة في صفوف السجناء السابقين مرتفعة بالمقارنة مع فئات المجتمع الأخرى؛ إذ أظهر تحليل أجرته المنظمة أن هذه النسبة تصل إلى 27 في المائة، وهو معدل أعلى من إجمالي معدل البطالة في الولايات المتحدة من أي فترة تاريخية، بما في ذلك مرحلة الأزمة الاقتصادية لسنة 1929.
وسار توم بيترسيك، الخبير الاقتصادي الأمريكي، في الاتجاه ذاته، قائلا في حديث لهسبريس إن "السجون الأمريكية لا تقدم مهارات جديدة، وإنما تقوم بسلب المهارات التي يتمتع بها السجناء، في وقت يمكن أن تكون فيه مراكز مهمة لتطوير القوى العاملة".
وأضاف أن "أوضح تفسير للعمالة في السجون الأمريكية هو كونها نشأت على ثقافة العبودية والحرمان من الحقوق العادية للقوى العاملة، وهذا ما يجعل هؤلاء السجناء يحظون بمعاملة أدنى من فئات المجتمع الأخرى".
ووصف توم بيترسيك، الذي اشتغل على مواضيع مرتبطة بالسجون في الولايات المتحدة لمدة 40 سنة، ما يتعرض له السجناء بـ"الإبادة الجماعية"، معتبرا أن "هذا المصطلح يستعمل بشكل صارم فيما يتعلق بالإبادة العرقية والدينية، لكن الظروف التي يتعرض لها السجناء تتطابق بشكل وثيق مع الإبادة الجماعية".
ادعاءات بدوافع سياسية!
تحمّل منظمات حقوق الإنسان وضعية السجون للحكومات، سواء الفدرالية أو المحلية، وكذا للشركات الخاصة التي تشرف على إدارة عدد من السجون في مختلف الولايات الأمريكية.
وتعد شركة "Corecivic" واحدة من أبرز هذه الشركات الخاصة؛ إذ حصلت على عقود إدارة عدة سجون في 19 ولاية أمريكية بالإضافة إلى مقاطعة كولومبيا، فيما تلاحقها اتهامات بعدم احترام حقوق العمالة في السجون من قبل منظمات مدافعة عن حقوق السجناء.
أمندا كيلتشيست، مديرة الشؤون العامة في شركة "Corecivic"، ردت على هذه الاتهامات في تصريح لهسبريس بالقول: "للأسف، فإن الكثير من المعطيات التي تنشر من قبل النشطاء خاطئة وذات دوافع سياسية، مما يؤدي إلى استنتاجات مضللة حول ما نقوم به وطريقة قيامنا بذلك".
وأوردت كيلتشيست أن الشركة تعمل على مساعدة الحكومة في حل المشاكل التي لا يمكن أن تحلها بمفردها، مضيفة أن "الواقع يؤكد أن 8 في المائة فقط من السجناء يتواجدون في مرفق شركة خاصة، ونحن نقوم بإعداد السجناء لمرحلة ما بعد السجن"، وفق تعبيرها.
أما فيما يخص الأجور المخصصة في السجون التي تشرف عليها الشركة والتي تندد بها منظمات حقوق الإنسان، فقد ردت مديرة العلاقات العامة في "كورسيفيك" بأن "هذه الأجور يتم تحديدها من قبل الشركاء الحكوميين وليس من قبل الشركة"، مشيرة إلى أن "هناك عددا من الدراسات المستقلة التي نوهت بالمنشآت التي تقوم شركتنا بتدبيرها".
"مئات من المعلمين يشتغلون في المنشآت التي نشرف عليها لمساعدة السجناء لكي ينجحوا بعد السجن"، تقول كيلتشيست، مضيفة: "تعهدنا بالعديد من الالتزامات لإعادة تأهيل النزلاء، وهذه الالتزامات لا مثيل لها في القطاع الخاص، وساعدنا 7525 نزيلا على الحصول على الشهادة الثانوية، و22849 شهادة مهنية خلال السنوات الخمس الماضية فقط".
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات