القائمة الرئيسية

الصفحات

حسن نجمي: النص الدستوري أكبر وزنا وحجما من العديد من الشخصيات والمؤسسات القائمة

حسن نجمي: النص الدستوري أكبر وزنا وحجما من العديد من الشخصيات والمؤسسات القائمة


حسن نجمي: النص الدستوري أكبر وزنا وحجما من العديد من الشخصيات والمؤسسات القائمة

هناك مفهوم يدخل في خطاب الفاعل الإعلامي والسياسي، وهو “تنزيل الدستور”، شخصيا لا أفهم من وضع هذا المفهوم وما هي دواعي استعماله، عندما نتحدث على تنزيل القرآن الكريم معناه أنه كتاب الله وأنه أنزل بإرادة إلهية على الرسول الكريم الذي بعث هدى للعالمين، في حين أن الدستور، وخصوصا دستور يوليوز 2011، فهو دستور يعبر عن إرادة الأمة ومنبثق من هذه الإرادة نتيجة استفتاء شعبي شاركت فيه كل القوى الوطنية من مختلف المكونات، ومن مختلف العائلات الفكرية والسياسية وكافة فئات وشرائح وطبقات المجتمع المغربي، وكان مسبوقا، لأول مرة، بحوار استغرق تقريبا ستة أشهر، وهو أول دستور ينجزه ويعده خبراء مغاربة في الفقه الدستوري، وفي العلوم السياسية برئاسة أحد الكفاءات الوطنية في المجالين الدستوري والسياسي: الدكتور عبداللطيف المنوني، يكفي أن يذكر المرء اسمه ليدرك أن الرجل لم يكن اسما سهلا في الحقل الدستوري، وفي الممارسات السياسية في المغرب المعاصر، كان رئيسا للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وكان قائدا من قادة اليسار وقائدا في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وفي الاتحاد الاشتراكي، وكون الملك يختار عبداللطيف المنوني، فقد كانت إشارة ة ثمينة ورغبة ملكية سامية، في إعطاء إشارة للشعب المغربي وللمكونات الوطنية والتقدمية الحية في بلادنا، بأن الإرادة الملكية هي إرادة إشراك وانفتاح على الشعب المغربي ولا يتعلق الأمر بدستور جاهز، فالمغرب من دستور 1962 و1970 و1972 ودستور 1992، ودستور 1996، الذي اشتغلت في إطاره حكومة التناوب بقيادة عبدالرحمان اليوسفي، في الغالب كانت محاولات ومشاريع دستورية ممنوحة، ولم تكن المشاريع والنصوص الدستورية تعبر عن إرادة شعبية حقيقية، وبالتالي، لم يكن أي جهد وطني لكفاءاتنا الأكاديمية والعلمية، خاصة في الحقل الدستوري والحقل السياسي. إذن، هذا المنطلق الجديد في دستور 2011 فعلا كان يعبر عن إرادة شعبية وتوافق شعبي ملكي متين، وهو ما منح المناعة والقوة لهذا الدستور، ولولا هذه المنطلقات كنا سنعيش من 2011 إلى الآن في جو دستوري لا يبعث على الثقة، أما وأن المنطلقات كانت سليمة والكفاءات وطنية ولا يد لأي خبرة أجنبية في هندسة هذا الدستور، ثم حجم النص ونوعية المواد والمقتضيات الجديدة، ثم المبادرات الجديدة التي تبين الدولة الحقوقية انسجاما مع المعنى الحقوقي الكوني، على مستوى الشباب والأسرة والمرأة والمناصفة وتقوية المؤسسات الدستورية بمؤسسات جديدة، والاهتمام بالمسألة الثقافية والاهتمام بالمسألة اللغوية، والاهتمام بالتعدد الثقافي والإثني، لا في الديباجة ولا في فصول أخرى، لأول مرة ينتبه المغرب إلى خصوصياته الثقافية والاجتماعية واللغوية، ويوليها الاعتبار الذي تستحقه، وكان هناك اهتمام لحق المواطن في الإبداع، النص الدستوري كان جد قوي وسقفه عاليا، لذلك لا أفهم لماذا نتحدث عن تنزيل الدستور، ينبغي أن نتحدث عن تنفيذ الدستور، عن تطبيق الدستور. العديد من القوانين التنظيمية تأخرت كثيرا، وأعاقت تطبيق هذا النص الدستوري الجيد، اليوم بكل تأكيد دستور 2011 مثل كل دساتير العالم يحتاج باستمرار إلى مراجعة، يحتاج باستمرار إلى استيعاب التحولات والتغيرات الاجتماعية، بإرادة الأمة وتوافق كل مكوناتها، لذلك أنا ضد فكرة التنزيل، لأن من يستعمل مفهوم التنزيل وكأن هذا الدستور نزل من السماء السابعة، في حين أنه انبثق من تربة هذه الأمة ومن أحشاء الواقع ومن سيرورتنا السياسية والاجتماعية والثقافية والدستورية، لذلك أعتبر أن المغرب يتوفر على نص دستوري جيد، بكل تأكيد هو ليس نصا جامعا مانعا كما لو أنه نص سماوي، لكنه يعبر عن الروح التي تميز القوانين الوضعية، قانون بشري قابل للتطوير والإثراء والتجديد عندما تقتضي الظروف ذلك، وينبغي التوفر على جهاز حكومي في مستوى تنفيذ هذا الدستور، وعلى مؤسسات دستورية قوية تقودها شخصيات وطنية مخلصة ونزيهة قادرة على المبادرة والفعل والتفاعل. أحيانا أرى هذا النص الدستوري أكبر وزنا وحجما من العديد من الشخصيات والمؤسسات القائمة، ما أتمناه لهذا الدستور ونحن نحتفي بذكراه التاسعة، هو أن تتوفر له الإرادة الجماعية للتنفيذ، وأن يتاح له القدر الكبير من الرجال والنساء القادرين على تنفيذيه، وعلى تجديده وإثرائه إذا اقتضت الظروف ذلك.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات