القائمة الرئيسية

الصفحات

إبراهيم حركات .. رحيل أحد أعمدة الدّراسات التاريخية في المغرب

إبراهيم حركات .. رحيل أحد أعمدة الدّراسات التاريخية في المغرب
إبراهيم حركات .. رحيل أحد أعمدة الدّراسات التاريخية في المغرب
بعد مسار مديد في البحث في تاريخ المغرب والتّأليف حوله، يفقد المشهد البحثيّ في المغرب والعالم العربي والمتوسّط، المؤرخ المغربي إبراهيم حركات.
ويعدّ كتاب الفقيد إبراهيم حركات "المغرب عبر التاريخ" بأجزائه الثلاثة، مرجعا من المراجع الأساسية للباحثين في تسلسل الأحداث التاريخية بالمغرب، وتاريخ تطورّاتها في السياسة والدين والاجتماع والعمران والفكر.
ويذكّر مؤرّخون أنّ المؤرخ الراحل المنتمي إلى المدرسة الكلاسيكية في الكتابة عن التاريخ، "كان من الطّلائعيّين بالمغرب في تأليف الكتب المدرسية لتدريس التّاريخ".
مؤرّخ مِن أعمدة الدّراسات التاريخية المغربية
يكتب محمد المغراوي، أستاذ بشعبة التاريخ بكلية الآداب بالرباط، أنّ إبراهيم حركات "أحد أعمدة الدراسات التاريخية المغربية". ويذكر أنّه حصل في مساره على عدّة أوسمة وهي: "وسام الشرف من درجة فارس، ووسام العرش من درجة ضابط من المغرب، والوسام الثقافي من تونس، ووسام المؤرِّخ العربي من اتحاد المؤرِّخين العرب ببغداد"، كما حصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية، وجائزة الاستحقاق الكبرى من وزارة الثقافة المغربية.
ويزيد المغراوي في ورقة حول مسار المؤرخ الراحل: "التحق بالرباط لمتابعة دراسته الجامعية بمعهد الدراسات العليا المغربية (كلية الآداب لاحقا)، إذ حصل على دبلوم اللغة العربية سنة 1958، ثم حصل على الإجازة من كلية الآداب بالرباط بعد سنتين من ذلك، فدبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية سنة 1964، وانتقل إلى فرنسا متابعا دراساته العليا، إذ درس في جامعة ستراسبورغ، ونال الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة إيكس أون بروفانس سنة 1970، كما حصل على شهادة دكتوراه الدولة في التاريخ سنة 1982 من كلية الآداب بجامعة القديس يوسف ببيروت، لبنان".
ويضيف الكاتب: "بعد العمل بالابتدائي والثانوي، التحق الفقيد بالجامعة سنة 1974 مندوبا لوزارة التربية الوطنية بأكادير وفاس وتازة، إذ كان نشاطه ملحوظا في تأليف الكتب المدرسية في مجال اللغة العربية، التي وصل عددها إلى أربعين كتابا مدرسيا، إسهاما منه في سدّ حاجة المدرسة المغربية إلى هذه المراجع".
ويردف قائلا: "التحق المؤرخ الراحل بوزارة الثقافة وعُيِّنَ رئيسا لقسم تعليم الفنون بها، فمديرا لقطاع الثقافة حتى سنة 1974، لينتقل بعد ذلك للتّدريس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، التي ظلَّ أستاذا بها إلى أن أُحيل على التّقاعد سنة 1994". كما يذكّر الكاتب أن الراحل كان "عضوا في المجلس العلمي بالرباط، وعضوا في اتحاد المؤرِّخين العرب ببغداد، وعضوا في الجمعية الدولية لمؤرِّخي البحر الأبيض المتوسِّط بإيطاليا".
ومن بين مؤلّفات الفقيد، وفق المصدر نفسه: "النظام السياسي في عهد المرابطين"، و"المغرب عبر التاريخ" في ثلاثة أجزاء، و"التيارات السياسية والفكرية خلال قرنين ونصف قبل الحماية"، و"السياسة والمجتمع في عصر الراشدين"، و"السياسة والمجتمع في العصر السعدي"، و"السياسة والمجتمع في العصر النبوي"، و"النشاط الاقتصادي الإسلامي في العصر الوسيط"، و"مدخل إلى تاريخ العلوم بالمغرب المسلم حتى القرن 9ه/15م". كما نشر أبحاثا عديدة في مجلات من بينها دعوة الحق، ومجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ومجلة الثقافة (الجزائر)، ومجلة المؤرخ العربي (العراق)، ومجلة البحوث التاريخية (ليبيا)، وساهم بمواد كثيرة في "معلمة المغرب" و"الموسوعة الإسلامية التركية".
علمٌ من أعلام الثقافة المغربية
تقول لطيفة الكندوز، رئيسة الجمعية المغربية للبحث التاريخي، إنّه برحيل حركات "ودعنا أحد أعمدة التاريخ، وعلما من أعلام الثقافة المغربية، الأستاذ المربي والباحث والمؤرخ الدكتور إبراهيم حركات، الذي خدم العلم والمعرفة بإيمان وصدق واستمرارية طبعت آفاقه الواسعة، وعمل بصمت وبكل تواضع دون حب للظهور".
وتزيد الكندوز، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية: "ونحن نودعه، نستحضر حياته الزاخرة بالعطاء العلمي والثقافي، نستحضر الرجل العصامي الذي مزج بين العلم والدين والأخلاق. وتبقى كتاباته وأبحاثه القيمة شاهدة على خبرته الواسعة في مجال البحث التاريخي، التي أصبحت منذ صدورها إلى اليوم، المرجع الأساسي لكل طالب وباحث في حقل التاريخ المغربي بصفة خاصة، والإسلامي بصفة عامة".
وتُعرّج المصرّحة على مجموع ما تناوله الفقيد بالدراسة العلمية المنهجية، مِن "أحداث المغرب السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والفكرية، منذ ما قبل الإسلام إلى الأحداث المعاصرة، ما يظهر بوضوح الجهود الكبيرة التي بذلها المرحوم حركات في ميدان البحث التاريخي، ويؤكد على حنكته ومنهجيته العلمية ومقدرته وكفاءته".
وتزيد رئيسة الجمعية المغربية للبحث التاريخي قائلة إن "نموذج المرحوم إبراهيم حركات تفتقر إليه هذه الأجيال، فهو نموذج المثقفين المكافحين الذين يعشقون العلم والعمل، ويرون أن العطاء في الحياة يجب أن يكون لأجل خدمة الآخرين، لذا أعطى رحمه الله الشيء الكثير للحقل التاريخي بكل حب وتفان ونكران للذّات".
مؤرّخ طلائعيّ
يقول عبد الواحد أكمير، مؤرخ، إنّ إبراهيم حركات جاء "في مرحلة كانت فيها الكتابة التاريخية حول المغرب قليلة جدا، وكان الموجود مكتوبا من وجهة نظر استعمارية بمقاربة المعمِّرين الفرنسيين والإسبان، وبالتالي كان أوّلَ من كتب عن تاريخ المغرب في بعده الكرونولوجي، دارسا إيّاه من النّشأة، أي منذ ما قبل الإسلام إلى التاريخ المعاصر".
ويقارن أكمير حركات بالمؤرخ المغربي عبد الله العروي قائلا: "كلٌّ منهما يمثّل مدرسة مختلفة تماما من مدرسة الآخر، فالعروي ركَّب تاريخ المغرب، ولم يعتن بالدراسة الوصفية أو الكرونولوجية أو الحدثية له، واهتم إبراهيم حركات بالتاريخ الوصفيّ الكرونولوجي. وعندما أبحث كمؤرّخ عمن وضع أسس تاريخ المغرب أجد مؤرِّخَين: عبد الله العروي وإبراهيم حركات، فهذه بناية لها دعامتان تُكمّلان بعضهما البعض".
ويزيد المؤرّخ مفصّلا: "إبراهيم حركات كتب تاريخ المغرب الوصفيّ الحدثي، أي ما وقع منذ ما قبل الإسلام، من توالي الدول والأسر والأحداث ووصفها، بينما اهتمّ العروي بتركيب تاريخ المغرب، أي بخلاصاته، ما يعني أنّ القارئ لن يتمكّن من فهم كتاب عبد الله العروي (مجمل تاريخ المغرب) دون قراءة كتاب إبراهيم حركات (المغرب عبر التاريخ)، لأنّه لا يعطيك أحداثا، بل يرَكِّبُ لك".
ويسترسل أكمير موضحا: "لم يستطع أحد أن يكتب عن تاريخ المغرب، من بداية التّاريخ إلى التاريخ المعاصر، واصفا الأحداث حدثا حدثا، وأسرة أسرة، وسلالة سلالة، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأوضاع الثقافية، مثل إبراهيم حركات في كتابه "المغرب عبر التاريخ"، فالكتب الأخرى إمّا تتناول مرحلة معيَّنَة من تاريخ المغرب، أو تاريخ منطقة من المناطق، أمّا المغرب كلّه في تاريخه الشمولي فتجده في كتاب حركات".
ويضيف المؤرِّخُ المغربيّ: "لا أهتمّ كثيرا بالتاريخ الوصفي الحدثي، لكن عندما أتناول حدثا معيَّنا من تاريخ المغرب، لا بدّ أن أبحث له عن سياق، والأجزاء الثلاثة من "المغرب عبر التاريخ" موضوعة على مكتبي، مثل معجم أو قاموس، وأجد فيها المعلومات عن السياق الذي يمكن أن أحلِّل به حدثا من الأحداث التاريخية".
ويجمل عبد الواحد أكمير حديثه عن إبراهيم حركات قائلا: "لَهُ كتب أخرى، لكن "المغرب عبر التاريخ" هو كِتابُه الموسوعي الذي سيبقى واحدا من أهمّ كتب تاريخ المغرب"، منبّها إلى أنّ "هذه الثروة كتبها شخص واحد، لا فريق من الباحثين".

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات