القائمة الرئيسية

الصفحات































بنسالم حميش يكتب: "إسماعيليات جيش البخاري" عتقاء لا أرقاء

بنسالم حميش يكتب: "إسماعيليات جيش البخاري" عتقاء لا أرقاء

باعتماد صيغة المتكلم، شيد الروائي والفيلسوف المغربي المعروف بنسالم حميش لبنات عمله الروائي الجديد الذي يشتغل عليه منذ 3 أعوام، وتدور رحاه على شخصية السلطان مولاي إسماعيل (1056 ـ 1139 هجرية) والأحداث التي لعب فيها دورا محوريا.

وفي هذا المقطع يحيل حميش القراء على جزء من الرواية، يرتبط بـ"جيش البخاري"، وهو جيش من العبيد، يقول الكاتب إنهم "عتقاء لا أرقاء"، بلغ عددهم 150 ألف جندي يطيعون أوامر السلطان دون عصبية، والتزاما بقسم "صحيح البخاري".

************

إن أحمد اليحمدي، وغيره من أولى دخلتي وخاصتي، يعلمون أني منذ ولاني أخي الرشيد على مكناس وفاس، وحتى من قبل، وأنا أفكر في أسباب سقوط دول المغرب تباعا، ومن أبرزها المرابطون والموحدون وبنو مرين ودويلة بني وطاس (وهي عبارة عن استطراد طائش لا طائل تحته، مرت مرَّ السحاب، وما كانت لأن تكون فبالأحرى أن تدوم)، فلم أجد تلك الأسباب كامنة وفاعلة إلا في العصبية القبلية التي بدت لي بيتَ الداء والشرَّ الذَّوي، إذ كانت سارية متفشية في صنهاجة ومصمودة وزناتة، ولم تسلم من أثرها وعقابيلها دولة السعديين، ولو أن نصيبا مّا من النسب الشريف كان يُمنح لهم عن استحقاق مجادَلٍ فيه.

وهكذا بعد موت الرشيد آليتُ على نفسي أن أجتث عروق العصبية وشوكاتها وأقطع دابرها؛ حتى لا يكون التمسك إلا بحبل الله الممدود من السماء إلى أرض التوحيد والوحدة، لا بديل له ولا مزاحم. وتساءلت مليا عن أنجع الوسائل وأمضاها لإنجاز ذلك والتوفيق فيه، فتمثلتْ لي، وأنا يقظٌ أو نائم، في إنشاء جيش قويٍّ متلاحم، منزوع الولاء العصبي، لا يأتمر إلا بأوامري ويبايعني على السمع والطاعة، قسما بصحيح البخاري، فسميتهم عبيد الله والبواخر؛ وكان الدالُّ عليهم وجلابهم من مدن وبقاع شتى هو بن القاسم عليليش المراكشي، وهم جميعا من أعقاب أجدادهم الذين أتى بهم أحمد الذهبي السعدي بعد أن غزا بلادهم وقتّل في أهلها ونهب معادنها النفيسة نهبا.

وكلفت كاتبي محمد العياشي بالخروج مع رهط من الدالين إلى قبائل في السهول والهضاب وأن يعتقوا مستعبديها بالشراء ولو كانوا حراثين، ثم يسجلوهم في دفاتر كاتبي الآخر سليمان الزرهوني. أما القائد عبد الله الريفي فقد أوكلت له ورجاله مهمة شراء الإماء للعزاب من حرِّ مالي، وذلك في مختلف المناطق والجهات أعرابية كانت أو بربرية. وسهرت بكل ما أوتيت به من شغف وقوة على تربية أولئك الأعقاب وتحويلهم إلى طاقة بشرية هائلةٍ فاعلة.

وهكذا أوكلت الذكور إلى أهل الحرف ليتعلموها منهم حتى يبلغوا حدَّ المهارة والإتقان، ثم يُحالون على القواد والأجناد ليُلقنوهم فنون الفروسية والقتال والرمي والمطاعنة. وبعد استيفاء أطوار التكوين يسهر عليلش وعبد القادر الزرهوني على تسجيل الذكور في ديوان العسكر؛ أما الإناث فتتكفل بهن عريفات القصر لتربيتهن على مهن الطبخ والخياطة والطرز والتنظيف والفرش والغسل وتمرينهن على اكتساب الأخلاق الحميدة والأدب وحتى الطرب واللعب على آلاته الرائجة، ولا أدل على ذلك وأفصح من مضمون رسالة بعثتها إلى مساعدي الطاهر معنينو آمره بتأديب إماء الله على نهج أخيه الأكبر الحاج محمد معنينو وقلت: [عليك برسم كلِّ أمَة باسمها وسنها وعلى من هي عنده وحرِّضه على تعليمها وتأديبها. وكل من ضاعت عنده أمَة لتفريطه لها وقلة المبالاة بها نقطع رأسه ونحفر جذره والسلام].

وبعد ذلك كله يتمُّ بتعليمات مني ورعاية حرمي تزويج الذكور بالإناث على سنة الله ورسوله؛ فلا عزوبة ولا عنوسة. وللعريس عشرة مثاقيل وللعروس خمسة، ثم يُوزع الأزواج كلهم بالتساوي تقريبا على محلة مشرع الرملة نواحي مكناسة ومحلات متفرقة في ربوع البلاد، يقيمون في الدور والنوايل.

ولما أن بلغ جيش البواخر أوجه عددا وعتادا وفاقتِ القلاعُ السبعين، رأيت في ما يرى النائم أن قوايَ تلك قادتني إلى الأندلس السليبة فأعدتها إلى حوزة الإسلام، ولمن أراد الرجوع إليها وكانوا من مستوطنيها، مسلمين ويهودا.

وحين رويت ذلك لليحمدي والقاضي بردلة الأندلسي سمعت الأول يقول متنهدا: لعلك، يا مولاي، تعلم أن أباك المولى علي الشريف التمس منه وقتذاك وجهاء غرناطة العبور إلى العدوة لجهاد النصارى وتأمين أهالي المسلمين، لكنهم لم يلقوا منه الاستجابة، وعلة موقفه هذا تكمن في ضعف عدته وعتاده وخوفه من الهزيمة وسوء العقبى، كما حدث للموحدين في معركة العُقاب.

لذا لو كان العبور إلى الأندلس مازال سالكا غير محفوف بالمخاطر المهلكة لأقدم عليه السعديون ومن قبلهم بنو مرين مع أن هؤلاء حاولوا ولم يفلحوا... وقال الثاني: نيتك يا مولاي نقية صافية كالماء الزلال، وحلمك صادقٌ ريّان، لكن ليس كل ما يتمنى المرءُ يدركه، وشروط تحقيق رؤياك في زماننا هذا منتفية، بل من أمحل المحال لأسبابٍ متشعبة تعرفها حق المعرفة وتحيط بدقائقها ومجملها أكثر مني بكثير... فرددت في الحين: درايتكما بالأمور ترفع من مقامكما عند الله وعندي.

لكني رغم الصعاب والعقبات الكأداء لن أيأس تماما من إنجاز ذلك الحلم، شريطة أن تلتف بجيشي كل الجيوش التي تحاربني ومنها رماة فاس والدلائيون، علاوة على فلول المجاهدين والمتطوعين في سبيل الله، وعلى رأسهم المجاهد محمد العياشي عظَّم الله أجره... ومن أجل إحقاق هذه الغاية السامية الجليلة والعزيزة على كل مسلم مؤمن، سأبعث رسلا إلى خصومي أجمعين من الأحِمَّاء والبعداء وغيرهم، وذلك بغية الاتحاد على كلمة سواء والتشبث بحبل الله الممدود إلينا من السماء ورفع راية الإسلام على الأندلس المسترجعة خفاقةً ولانتصارنا علامة. وللحديث صلة معكما ومع رجالنا الأبطالِ ممن أحلامهم كالجبال...

في مشرع الرمل ومحلات ومحميات أخرى أو في القصبات دأبت على إلقاء خطب قصار أمام حشود البواخر، تعددت صيغها والمعاني واحدة، كما أمليتها على أمهر كتابي، وهي بعد التحميد والتصلية:

إنه أنا عبد الله جلّ جلاله وحبيبه المأمورُ الطيع، وأنتم يا جموعَ عبيده تخدمونه إذْ تخدمونني، فتطيعون وتؤدون الأمانات، وتوفون بالعهد إذ أقسمتم على صحيح الإمام إسماعيل البخاري قُدّس ذكره، وعيونكم تفيض بالدمع من خشية الله وخوفا من غضبه وعقابه، وأعناقكم مشرئبة إلى الإنجاز والتوفيق ما وسعكم الجهد والطاقة.

عتقاء أنتم لا أرقاء.. احفظوا هذا المبدأ ورددوه بعد كل صلاة. فلا وحق ربِّ الكعبة ما أنا بمالك أبدانكم وأنفسكم، ولا بمسخِّركم كما مالكوكم المتْرفون سخروكم لأشقِّ الأشغال المرهقة، وتوارثوكم أبا عن جد، كما لو كنتم قطعانا وبضائع. وكيف أفعل مثلهم إلا أن أزيغ عن المحجة البيضاء وسواءِ السبيل.

واعلموا، هداكم الله، أننا جميعا من آدم وآدم من تراب، عنصرنا واحد، ودمنا الجاري في شراييننا أيضا واحد، وعقائدنا وأفئدتنا واحدة لا ثني ولا تبذعر، وما عدا ذلك عبثٌ محشوٌ بالهرج والمرج وبضلال ما بعده ضلال. فلا تكونوا، رعاكم الله، كقوم بور أو كمن يصح عليهم القول في كتابنا العزيز ﴿تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. ذلك بأنهم قومٌ لا يعقلون﴾.

وكيف لا أفعل ما فعلت في شأنكم وقد جاء في حديث نبوي شريف: "لا فضلَ لعربيٍّ على عجمي ولا لأبيضَ على أسودَ إلا بالتقوى". وقد روى الإمام البخاري طيَّب الله مثواه أن الرسول الكريم قال: «اسمعوا وأطيعوا، وإنِ استُعْمِلَ عليكم عبدٌ حبشيّ كأن رأسه زبيبة».

وكان نبينا الأبيُّ الأشرف لَشَدَّ ما يوصي بإكرام الخدم والسعي إلى تحرير المماليك بالعتق والافتداء. وهلاَّ حفظتم عن ظهر قلب ما صدع به عمر ابن الخطاب الفاروق رضيَ الله عنه وأرضاه: «متى استبعدتمُ الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا»، وأضيفوا إليه من كلام عليٍّ كرّم الله وجهه: «لا تكنْ عبد غيرك وقد جعلكَ اللهُ حُراً»...

يا عبيد الله، لقد افتديتكم بحرِّ مالي وشهادات قضاة وعدول، فيما لسان حالي يردد الحديث النبوي: «شرُّ الناس من باع الناس»، فحررت رقابكم من مالكين اشتروكم بأبخس الأثمان في أسواق النخاسة والاستعباد.

وهؤلاء الباعة الجشاع رصدت لهم ألف قنطار من الدراهم الفضية، وبعضهم قبض الثمن ذهبا، وبعضهم قبض القيمة إبلا أو غنما. وعسى الله الآمر بفك الرقاب يغفر لي بذلك ما تقدم من ذنبي وما تأخر، ويلهمني الصبر على اقتحام الصعاب والعقبات الكأداء، وما أكثر صنوفها وشعابها. وبالله تعالى العون والتوفيق.

كما عليكم أن تعلَموا أن إنذاري المعلن والساري هو: من عاداكم يا عبيد الله المحررين فقد عاداني، ومن آذاكم فقد آذاني. ولذا لربما طرق سمعكم خبرُ القائد عبد الخالق الروسي، عاملي على فاس، إذ أقدم على قتل خادم منكم دخل عليه من دون استئذان، فأحضرته إلى مكناس مهانا، واستشفع له بعض الأعيان فعفوت عنه وأعدته إلى منصبه. لكن لم يمض عام حتى تم اغتياله على يد ابني الأمير حفيد، فسكتُّ عن فعلته والطرفَ غضضت. وإنا لله وإنا إليه راجعون...وفي المجمل ظلت فاس العقبة الصلبة والشوكة في الحلق، تأوي أعدائي والساعين إلى حتفي، بل إن مترفيها دأبوا على إمدادهم بالعتاد والعدة والمال.

كان الفقيه عبد السلام جسوس أشد المعارضين لإرادتي إنشاء جيش البخاري، وذهب إلى حد التحرش بي وترغيب العلماء في تبني موقفه وإعلان تحريم الكتابة على ديوان البواخر بمن فيهم الحراثين.. واغتر بحملته عليّ الفقيهان محمد المجاصي ومحمد المشاط، ولو أني لجذب هذا الأخير إليَّ حضرت ختمه بالقرويين، فلم يلن قيدَ أنملة أو يعتذر.

أما الشيخ عبد القادر الفاسي فقد تعلل بمرضه وهرمه، وترجاني أن أعفيه من مركب وعرٍ إذا تجشمه زاغ عن حياده السلمي. وحيال لج جسوس وشراسته قام والي فاس عبد الله الروسي بتهديده هو وغيرِه من الممانعين، فألقى عليه القبض وطيف به مغلولا على حمار في أسواق فاس متطلبا الفداء، وحين لم يرتدع اغتيل خنقا بأيدي رجال الوالي الذين سلموه ليلا لأهله مدعين أنهم عثروا عليه جثة هامدة في حيّ القلقليين.

من باب التهدئة، ما كان مني إلا أن عزلت القائد الروسي ولو لفترة أردتها قصيرة، تخللها قراري إعفاء أهل المدينة من مجمل المغارم لفترة معلومة، فلم يجدِ مسعاي نفعا ولا تحسنا، فما فتئتُ من بعد أن بعثتُ إلى نخب فاس وأثريائهم رسالة أوبخُهم وأخيِّرهم بين أن يسلموا جيشي رماتهم من دون مطاولة وتلكؤ أو أن يدفعوا النوائب دعما لجيش الجهاد وتحرير الثغور من قبضة النصارى، وأيضا لمقاومةِ أتراك الجزائر وقطع دابر أطماعهم الترابية في المغرب المصانِ المنيع.

ولما لم يستجيبوا لأي عرض ويعبؤوا بأي إنذار تفقدتُ سرايا عساكري وفرقَهم كعادتي صباح كل أربعاء، فألفيتهم على أحسن حال وفي أتم استعداد ولياقةً وقوة، فحمدت الله واسعا، وكثيرا شكرته وذكرته. ثم بدا لي أن أطلق العنان للبواخر في مسيرة بين رحاب ودروب فاس باليه وجديده. ونصحني اليحمدي وبردلة والزرهوني أن يكون السائرون غير مسلحين، وكذلك كان، فاجتاحوا المدينة خابطين على الأرض راقصين، مرددين بأصوات طنانة متناغمة: عتقاء مولانا السلطان نحن وطلقاؤه، لا أرقاؤه ومماليكه. الرفق ما يبتغيه مولانا لنا لا الرق، يُسمينا شديدي السمرةِ والعريكة والإيمان لا سجناء الضعف والقهر والهوان...

ويشهد الله العلي العليم أني استفرغت جهدي كيما يتم الوفاق بالحسنى وزيادة حول تلكم المسألة بيني أنا العاض عليها النواجذ وبين من غلوا في طمس شرعيتها وتسفيه أُسِّها القويم وغاياتها المثلى. ولتسكين نفسي ومداراة غضبي دعوت كاتبي العياشي المكناسي إلى إعادة قراءة فقرات من رسائلي في المسألة نفسها إلى أقيال فاس وعلمائها، فازداد اقتناعي بأنهم عاقدو العزم على الإمعان في ممانعتي، تارةً سرّا وجهرا أخرى، وفي شأن عظيم لي به شغفٌ شديد، إما أن أنجزه بالفعلِ الحازم أو أن أنتكس دونه وأخِرُّ؛ وهو، كما يعلم أولئك القوم السائرون في ركاب أرباب المال والسلاح، أن أُحسن إنشاء ذلك جيش من السُّمْرِ وأحمرِ الجلد، أحرر الحراثين ثالثةً وأعتق رقاب الجميع من عبيد الله وإمائه على سنة قرآننا المجيد وسنة رسولنا الهادي الأمين.

وبعد أن حرَّت الشمس وأتم البواخر تظاهرهم الصاخب السلمي عادوا إلى مساكنهم ونوايلهم في محلتهم حيث استقبلتهم على فرسي الأدهم ودعوتهم إلى الغداء وأخذِ قسط من الراحة مستحَق... وقد ظلوا على هذا الدأب مرتين أو ثلاثا كل شهر، وكذلك الأمات سرن على خطى الرجال البواخر في الأزقة والرحاب، يرددن شعاراتهم نفسها منسوبة إلى مؤنثهن السالم، ونافسن زغاريد الفاسيات المطلات من السطوح والشرفات، فكانت لهن الغلبة والكلمات والرقصات الأخيرة.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات