القائمة الرئيسية

الصفحات

عدنان اغتصب وقُتل.. فلماذا يرفضون إعدام قاتله؟

عدنان اغتصب وقُتل.. فلماذا يرفضون إعدام قاتله؟
عدنان اغتصب وقُتل.. فلماذا يرفضون إعدام قاتله؟
إبراهيم الطالب

اختطاف ثم اغتصاب ثم قتل، جرائم مركّبة اقترفها أحد الوحوش البشرية، في حق طفل مغربي، هو اليوم ولد لنا جميعا نحن المغاربة.

جريمة بشعة نكراء، تحمِل كلَّ معاني الوحشية والخسة والنذالة؛ ولن يقبل بها مَن في كينونته ذرة من صفات البشر، بل لربما كثير من الحيوانات لو أنطقها الله لاستنكرت فعل هذا المجرم المأفون.

لكن استنكار هذه الجريمة البشعة وشجبها فقط، والتعاطف مع أهل ابننا عدنان لا يكفيان أبدا.

كما لا يكفي الحكم على المجرم بالمؤبد لشفاء المجتمع من آثارها، ولن يريح أهل عدنان المغتال ظلما سوى أن يلقى الظالم جزاءه جزاء وفاقا.

ولو أباح الله التمثيل به ثم إعدامه لطالب العقلاء به.

ولقد كان حكام المغاربة قبل دخول جيوش الفرنسيين عقلاء، يقدرون فظاعة هذه الجرائم، حيث كانوا يعتمدون التشهير بمثل قاتل عدنان والطواف به في الأسواق، عبرة لكل فاسد ظالم، وتخويفا لمن تسوّل له نفسه الإقدام على المساس بعرض الناس وحياتهم وأمنهم.

وكانت الدولة بعد تنفيذ حكم الله فيهم بالإعدام، تأمر بتعليق رؤوسهم على أبواب المدينة الأساسية حتى يكون عبرة لمن لا يعتبر. ولم يكن أحد يستنكر هذا الفعل لأهميته في الردع والزجر قبل أن يدخل الفرنسيون الذين كانوا يصورون عقوبة المفسدين بأنها عقوبة وحشية، لأنهم هم رأس الفساد، حيث أباحوا لأنفسهم أن يبقروا بطون الحوامل المغربيات ويقتلوا النساء والصبيان ردعا للمقاومين المجاهدين منذ غزو الدار البيضاء وإلى آخر يوم في احتلالهم للبلاد.

إن قضية اغتصاب عدنان الطفل البريء وقتله، أثارت جدلا حول عقوبة الإعدام؛ جدل يُظهر أن بعض من يحلو لهم أن يسموا أنفسهم “حقوقيون” هم أبعد ما يكونون عن الحقوق وعن دين المغاربة وتاريخهم وشريعتهم.

فما هو حكم هذا المجرم في الدين الإسلامي؟

بطبيعة الحال الحكم هو الإعدام، وكل مسلم يعلم أن هذا هو حكم القتلة المفسدين في الأرض، إذ هو من المعلوم من الدين بالضرورة.

إذن، فلماذا يدافع “أحمد عصيد” مثلا عن حق هذا المجرم في الحياة؟؟

خصوصا إذًا علمنا أن مَن خلق البشر وهو أعلم بما يصلحهم يقول سبحانه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”.

فإذا كان الله خالق البشر يقول بأن القصاص أي إعدام هذا المجرم فيه حياة لبقية المجتمع، فلماذا اختار “عصيد” وأمثاله أن يدافعوا عن حياة المجرمين بدل الدفاع عن حق المقتول وذويه؟؟

لا شك أننا نناقش هؤلاء وكأنهم هم أصحاب تلك الأفكار، لكن الحقيقة أنهم مجرد أقماع يمررون مفاهيم العَلمانية الغربية إلى الحقول المعرفية المغربية، كما يمرِّر القِمع السوائل كالزيت أو البنزين أو الماء من إناء إلى آخر، فلا مزية له في إنتاج السائل، بل كل مزيته أن يحفظ ما يمرره دون أن ينسكب خارج الإناء الذي يريد صاحب السائل أن يدخله فيه.

فهؤلاء العلمانيون لا ينتجون شيئا هم يقرؤون أشياء في كنانيش الغرب ثم يجترونها، كما هي.

الأديب الفرنسي “فكتور هوغو Victor Hugo”، وقد ولد بعد الثورة الفرنسية في سنة (1802)، ناقش في مؤلفه “Le dernier jour d’ un condamné” نفس القضية، ويدلي بالحرف بما اجتره عصيد بعد جريمة مقتل الطفل البريء الودود عدنان، تحدث عن أن المجتمع عندما يقتل المجرم القاتل فهو ينتقم منه، وليس للمجتمع أن يكون منتقما.

وللأسف مؤلف هوجو المذكور يدرس لأبنائنا في الثانويات حتى يقبلوا بالتصور العلماني للكون والإنسان والحياة.

فـ”هوجو” كان من الأدباء والمفكرين الذين حاولوا أن يطوروا مجتمعهم ليقبل أفراده بالتصورات الاجتماعية والسياسية اللادينية التي جاءت بها الثورة، فالمجتمع الفرنسي لم يتخلَّ عن النصرانية ولا عن الدين ولا عن الكتاب المقدس بعد الثورة على الإقطاع والظلم، حيث لم يتم ترسيم الإعلان العلماني إلا في سنة  1905.

أفكار هوغو مبنية على التصورات الجديدة التي أتت بها الثورة الكافرة بكل الميتافيزيقا، ومنها الحياة بعد الموت.

ويمكن أن نرى اليوم هذا الصراع الذي عاشته فرنسا منذ أكثر من قرن؛ على موقع الخارجية الفرنسية وبالضبط في صفحة سفارتها بالقاهرة حيث تقول في مقال مطول حول تطبيق مبدأ العَلمانية:

“كما أن دخول القانون المدني حيز التنفيذ قد أضفى نهائياً صفة العلمنة على حقوق الأشخاص والمجتمع.

وأخذت الكنيسة والجمهورية تدخلان تدريجياً في صراعٍ بيْن وجهٍ للبلاد يقابله وجهٌ آخر بحيث أصبحت فرنسا ذي وجهين.

وعندها ترسخت العلمانية في مؤسساتنا مع اعتماد القانون الجمهوري الهام بتاريخ 9 كانون الأول/ديسمبر 1905 القاضي بالفصل ما بين الدين والدولة.

وهكذا لم تعد فرنسا تُعرّف بنفسها على أنها أمة كاثوليكية المذهب، وقد كان هذا الانفصال مؤلماً لكثير من الفرنسيين وأثار العديد من النزاعات”.

فطبيعي أن يدافع عصيد بصفته وكيلا عن العَلمانية الفرنسية في المغرب، عن حق المجرم في الحياة، فهو يدعو دولة أمير المؤمنين إلى تبني مبدأ العَلمانية الفرنسي في كل ما ينتجه، وبمناسبة وغير مناسبة.

لن يستطيع مسلم أن يدافع عن حق قاتل عدنان إلا إذا كان لا يُؤْمِن بحياة أخرى بعد الموت، والتي نسميها نحن المسلمين: الآخرة، والذي يعتبر الإيمان بها ركنا من أركان الإيمان الستة، ومن دافع عن المجرم من المؤمنين بعقائد الإسلام وشريعته، فإنه لم يفهم الدين، ويحتاج إلى أن يدرس الإسلام بعيدا عن الانحرافات العقدية التي استبدت بتفكيره.

إن “حق الحياة” في الإسلام ليس له ذات المفهوم الذي يدافع عنه “هوغو” وتابعه عصيد ومن شاكله.

فالدولة المسلمة عندما تقتل أمثال المجرم الذي قتل ولدنا عدنان، لا تقتله انتقاما منه، بل جزاءً له على فعل ارتكبه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأنها دولة تتبنى المفهوم الإسلامي للحياة، التي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الدنيا والآخرة وبينهما حياة برزخية، فإنها عندما تعدم أمثال قاتل الطفل عدنان، فإنها تكون رحيمة بالقاتل قبل ذوي المقتول، لأن الحدود والعقوبات الشرعية هي كفارة لمرتكب الجرائم التي جعلته يستحقها، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري: “عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس؛ فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، -وقرأ هذه الآية كلها- فمَن وفَّى منكم، فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به، فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا، فستره الله عليه، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه”.

فوفق هذا الحديث النبوي الشريف، فإن قاتل عدنان لو نفذ فيه حكم الإعدام لكان أرحم به، لأنه سيُسقِط عنه عقوبة القتل في حياته الأخروية.

ولما كان “هوغو” ومن يعتقد اعتقاده في الحياة بعد الموت لا يَرَوْن للقاتل حياة سوى حياته الدنيا، قرروا أن يدافعوا عن حقه في الاستمرار على قيد الحياة ولو كان هو السبب المباشر في إنهاء حياة إنسان بريء مثل الطفل عدنان.

وسنتنزل معهم فنسألهم، عن أية حياة يريدون حفظها؟؟

فأي حياة تبقى للمجرم إذا كانت عقوبته هي السجن مدى الحياة، يتعرض فيه للمهانة والذل طول أيامه، أليس السجن أكبر نكاية وظلما من الموت في هذه الحالة؟؟

تهافت هذا المنطق العلماني المبني على المفهوم المادي للحياة يتضح بجلاء في حالتين:

– الأولى حالة الإجهاض الذي يدافع عصيد وأمثاله لتحريره وإلغاء العقوبة عليه.

– والثانية فتتمثل في قبول العقل العلماني بما يسمى “الموت الرحيم”، فحالات المرضى المسنين الذين يفضلون الموت بحقنة سم، على أن يبقوا في حياة يعانون فيها من المرض، بل حتى المسنين الأصحاء يقدمون على اقتراف “الموت الرحيم” خوفا من أمراض مثل الزهايمر وغيره من أدواء الشيخوخة.

وكلا الحالتين والمطلبين مبنيان على المفهوم المادي للحياة، كما تمت إعادة صياغته من طرف علمانيي الغرب.

إن قضية اغتصاب الطفل عدنان وقتله، تجعلنا نسائل هذا الفكر المادي ودعاته المتطرفين اللادينيين الذي يحاربون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالعذاب الأخروي، ويدعون إلى الزنا والفجور واللواط، وينشرون الإلحاد، والتصورات المادية للكون والإنسان والحياة، بل ينبغي تحميلهم المسؤولية الفكرية وراء مثل هذه الجرائم التي يذهب المئات سنويا ضحايا لها.

وفِي الأخير نقول لأهل ولدنا عدنان عزاؤنا واحد، ونأسف لمستوى بعض من يظهرون في وسائل إعلامنا والذين يرقصون عندما يبكي جيرانهم.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات