القائمة الرئيسية

الصفحات































اليسار المتطرف والراديكالية الدينية .. "المكفوف يتحالف مع المشلول"

اليسار المتطرف والراديكالية الدينية .. "المكفوف يتحالف مع المشلول"

 اليسار المتطرف والراديكالية الدينية .. "المكفوف يتحالف مع المشلول"

في وقت يُطالب البعض بمبدأ الشورى وتأسيس جمهورية إسلامية، يدعي البعض آخرون أنهم علمانيون أو ملحدون ويعترضون على الحكم باسم الدين، ومع ذلك يمكن أن نجد هذين "الحزبين" بعقائد مُعادية يبرمان تحالفاً في المغرب لتنسيق أعمالها ضد النظام الملكي.

الفقرة سالفة الذكر كانت إحدى خلاصات التحقيق الذي نشره موقع "أطلس أنفو" حول التحالف بين قوى يسارية راديكالية وأخرى إسلامية متطرفة في المغرب، تبدو أنها ضحت بإيديولوجياتها الخاصة.

يعود التحقيق إلى تاريخ 14 دجنبر من سنة 2015 حين انتهزت جماعة العدل والإحسان فرصة إحياء ذكرى وفاة مؤسستها لتنظيم ندوة حضرتها حساسيات مُختلفة من المجتمع المدني، ومن أقصى اليسار إلى المنظمات الإسلامية، وكان الحدث فرصةً لإعادة تأهيل صورة الحركة على أنها منفتحة على المجتمع.

وجاءت الندوة بعدما كانت جماعة العدل والإحسان تعرضت لانتقادات شديدة عقب انسحابها من حركة عشرين فبراير، وكانت تبحث عن إحياء الثقة مرة أخرى مع قادة اليسار الراديكالي.

لكن لماذا انسحب العدليون من الحركة؟ يُجيب الباحث الأميركي ويليام لورنس، الخبير في معهد الشرق الأوسط بالقول: "أحد الأسباب الرئيسية وراء تركهم الحركة الاحتجاجية هو غياب التدين في شعاراتها ورسائلها".

وأضاف الباحث الأميركي: "في تلك الفترة، كانت الجماعة تعرف خلافات داخل صفوفها، لأن شبابها اتبعوا سياسة أكثر شمولية، فيما اختار قادة نهج سياسة معاكسة إلى حد ما، وهنا تظهر الفجوة الكبيرة بين الأجيال في العدل والإحسان بشكل خاص، والمجتمع المغربي بشكل عام".

محو صورة الطائفة

يشير التحقيق إلى أنه بعد وفاة عبد السلام ياسين سنة 2012، بقيت الحركة الإسلامية رهينة الإرث الأيديولوجي لمؤسسها، بحيث بدأت تفقد جاذبيتها؛ كما أدى اعتماد دستور جديد في يوليوز 2011 ووصول "شقيقتها" حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة سنة 2012 إلى إغراق جماعة العدل والإحسان في أزمة إيديولوجية وهوياتية طويلة، وكان عليها أن تخرج منها بأي ثمن لاسيما من خلال العمل على نسيان الناس لمشروع الخلافة المخيف لمؤسس الجماعة.

ولوحظ أنه خلال الندوة التي نظمت لتخليد وفاة الراحل ياسين ركز خليفته محمد العبادي معظم خطابه على اللاعنف في أسلوب عمل الجماعة وأيديولوجيتها، وكأنه كان يريد محو صورة الطائفة والاتهامات التكفيرية التي ألقت بثقلها على التنظيم كهدف أول.

أما الهدف الثاني الذي سعت إليه الجماعة فهو إظهار قدرتها على الحوار مع الحساسيات الأخرى، وأن تظهر للدولة أنها كحركة مازالت موجودة بالفعل، وأنها قادرة على النجاة بعد وفاة مؤسسها، إذ قال العبادي في كلمته: "الجماعة مستعدة للعمل مع كل من يرغب في حل مشاكل المغرب".

أما الهدف الثالث فكان كسر العزلة السياسية التي غرق فيها التنظيم الإسلامي الراديكالي الذي أضعفه دخول حزب العدالة والتنمية لتدبير الشأن العام، بحيث كانت لنجاحه في الانتخابات التشريعية لسنة 2012 استجابة لتطلعات جزء كبير من أتباع الجماعة والمتعاطفين معها الذين سئموا انتظار "القومة"، أو الانتفاضة العامة، التي وعد بها عبد السلام ياسين.

وبالنسبة لمارك إتيان لافيرن، مدير الأبحاث في المركز الوطني للأبحاث العلمية المختص في الحركات الراديكالية، فإن الجماعة "دخلت في مشروع طويل الأمد يهدف إلى تغيير الصورة، لكن الأمر عبارة عن مخاطرة تتمثل في الخروج من منطقة الراحة والزبائن المعتادين، والظهور بوجه آخر ومحاولة جذب وتجنيد زبائن آخرين"، مستدركا: "لكن كيف يمكن للمرء أن يظل إسلامياً بينما يتحالف مع أقصى اليسار؟ هذا تمرين صعب".

اليسار المتطرف والظلامية الإسلامية: تحالف المصالح

حسب تحقيق موقع "أطلس أنفو"، فقد لوحظ في الندوة التي نظمتها الجماعة حضور قوي لليسار الراديكالي الذي شارك في مظاهرات 2011، من بينهم المؤرخ المعطي منجب الذي يتصرف كقائد ويعرف مسؤولي الجماعة جيداً، لأنه نظم ما بين 2009 و2010 سلسلة من اللقاءات والنقاشات بين من يسمون اليسار العلماني ومن يسمون الإسلاميين الديمقراطيين، وكانت العدل والإحسان ضمنهم.

ويورد الموقع أيضاً أن منجب اعتاد مثل هذه المناسبات السنوية ودأب على حصد تقارب وثيق من حسن بناجح، أحد الكوادر المؤثرة في الحركة الإسلامية الراديكالية، كما حضر أيضاً فؤاد عبد المومني، الناشط في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وكان هو الآخر على اتصالات مع الجماعة للمشاركة في حركة عشرين فبراير، إضافة إلى الاقتصادي نجيب أقصبي، ومحمد حفيظ، العضو السابق في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

الملاحظ، حسب التحقيق الصحافي، أن "من سلف ذكرهم يُظهرون قناعات متعارضة مع تلك تضمرها الحركة الظلامية، التي تدعو من خلالها إلى تطبيق الشريعة وإعادة الخلافة من أجل مجتمع إسلامي أصيل".

وفي نظر الصحافي مختار لغزيوي، رئيس تحرير يومية "الأحداث المغربية"، فإن "هذا التقارب بين الطرفين يقوم في الغالب على الحاجة إلى تعويض أو تكميل، أي بعبارة أخرى كل طرف يحاول أن يجد لدى الآخر ما ينقصه".

أما بالنسبة للناشط اليساري فؤاد عبد المومني فإن "التغيير في المغرب لا يمكن تحقيقه بدون تحالف الإسلاميين والعلمانيين"، مشيراً إلى أن "خطاب جماعة العدل والإحسان قد تغير".

من جهته، يدعو عمر إحرشان، عضو الدائرة السياسية في الجماعة، إلى إقامة حوار بين العدل والإحسان والتيارات المختلفة، كما يؤكد أن الحركة "منفتحة للاستماع إلى الحلول التي من شأنها النهوض بالمجتمع".

العدل والإحسان والسلطة الدينية

يرى عدد من المراقبين أن الأهداف التي تظهر من خلال تواصل الجماعة لا تعكس الواقع والعقيدة التي تشكل أساسها. وبالنسبة لمارك إتيان لافيرن فالعدل والإحسان "تريد سلطة زمنية ودينية"، ويقول في هذا الصدد: "لكن لا يمكن إدارة مجتمع بمبادئ إلهية فقط، نحن في مجتمع إنساني عالمي به دول وحكومات، والسؤال المطروح هو أين سيكون الخط الفاصل بين طموحات الجماعة وطموحات اليسار الراديكالي؟".

وفي انتظار الإجابة عن هذا السؤال، يخلص تحقيق "أطلس أنفو" إلى القول إن "العدل والإحسان تقود حملة إغراء كبيرة، والندوة التي نظمت في دجنبر من سنة 2015 جزء منها، حيث تم التفكير في المصطلحات للتأكيد بعبارة أخرى على أن السلطة يجب أن توكل إلى المسؤولين المنتخبين، لكن دون إنكار المواقف التي تدعو إلى مجتمع مُؤسلم بالكامل..ولا يتعلق الأمر بإعادة النظر في عقيدتها وأفكارها بل بزوايا جديدة يتم على أساسها بناء صورة جديدة تقوم على احترام الحريات الفردية والحريات العامة والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والأخوة".

القدرة والحوار والانفتاح

يرجع تحقيق "أطلس أنفو" هذا الموقف الجديد للعدل والإحسان إلى اتصالات بقيت خفية حتى الآن من قبل الجماعة وبعض الحساسيات السياسية والنقابية، وإحدى هذه اللقاءات السرية عُقدت في 11 يوليوز 2014، وتم تسريبها عبر الصحافة، وهو ما أجبر قادرة الحركة الراديكالية على شرح هذه الدعوة غير الرسمية لعشرات الشخصيات بهدف تبادل الأفكار ومناقشة الوضع في البلاد، وفق ما صرح به آنذاك المتحدث باسم الجماعة فتح الله أرسلان.

من بين المشاركين في هذا اللقاء السري كان المؤرخ المعطي منجب حاضراً بصفته رئيساً لمركز ابن رشد للأبحاث الذي حله منذ ذلك الحين، وحضر أيضاً كريم التازي، رجل الأعمال، إلى جانب محمد الكيحل وعبد السلام البكاري، وكلاهما عضوان في حزب الاستقلال، والعضو السابق في الحزب الاشتراكي المغربي محمد حفيظ، ومحامون وجامعيون من ضمنهم عبد الله حمودي.

حمودي، مدير ومؤسس معهد الدراسات عبر الإقليمية للشرق الأوسط المعاصر وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى في جامعة برينستون، عالم الأنثروبولوجيا، وهو صديق مقرب وأحد أهم المتعاونين مع هشام العلمي، الابن البكر للراحل مولاي عبد الله، شقيق الملك الراحل الحسن الثاني.

هشام العلوي عنصر في التقارب؟

يتساءل تحقيق "أطلس أنفو" بأي صفة تمت دعوة عبد الله حمودي، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية، إلى هذا اللقاء السري لجماعة العدل والإحسان؟ وهل كان يمثل هشام العلوي؟ قبل أن يورد: "أياً كانت الإجابة فإن السؤال يستحق أن يُطرَح في ضوء المشروع الظلامي للعدل والإحسان الذي لم يخف أبداً رغبته في الإطاحة بالنظام الملكي المغربي واستبداله بجمهورية إسلامية. وبالنسبة لمراقبي الحركة، فلا شك أن هدف الجماعة مازال كما هو وما تغير هو 'التغليف'".

وبالنسبة إلى مارك إتيان لافيرن فإن تقارب العدل والإحسان مع القوى اليسارية والعلمانية مسألة انتهازية، وأضاف: "إنهم يهدفون إلى توسيع دائرة الأشخاص الذين يطمحون للوصول إليهم من خلال هذا التحالف".

ويشير الباحث في CNRS إلى أن "هذا التحالف مؤشر على وجود مشروع تعبئة كبير تحسباً لتطور الوضع في المغرب وبيئته الإقليمية أو الدولية، وهي التطورات التي ستبعث الأمل، إما في الانخراط في السلطة أو الاستيلاء عليها؛ لكن هذا حلم بعيد المنال لأن المغرب دولة صلبة".

تقارب منذ سنة 2008

يتعلق الأمر هنا بتحالف بين دوائر متعارضة أيديولوجياً اختارت قضية مشتركة على أساس نقطة مشتركة وهي: الاستيلاء على السلطة، لذلك فهي ليست مسألة قناعات بقدر ما هي مصالح، إذ يجد كل طرف منفعته ويدعم كل منهما الآخر.. إضافة إلى الجمعيات والأفراد الذين ينتمون إلى هذه الشبكة، حيث يتم حشدهم كلما واجه أحدهم الدولة.

ويرجع موقع "أطلس أنفو" إلى بداية سنة 2017، حين استنكرت الجماعة استهداف الدولة لها من خلال إقالة أو نقل 129 من أعضائها الموظفين أساساً في قطاع التربية الوطنية، فسارعت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى إحداث لجنة دعم بتنسيق من خديجة الرياضي. وليس من الغريب أيضاً أن نجد في اللجنة قادة مثل فؤاد عبد المومني والمعطي منجب.

وتسبب هذا الدعم في تقسيم صفوف اليسار الراديكالي بشكل كبير، إذ أورد موقع "أطلس أنفو" أن ناشطاً من الحزب الاشتراكي الموحد قال إن "الكل يعرف أن ثلثي المستهدفين من عمليات الفصل أو النقل موظفون في التعليم، وهو القطاع الذي يعرف نشاطاً أكبر لنشر إيديولوجيتهم".

تحالف غير طبيعي محكوم بالفشل

في غياب القيم المشتركة، فإن نموذج التضامن الظرفي الذي يتبناه هؤلاء الحلفاء يُعرضهم لضعف أكبر، وبالنسبة لوليام لورانس فإن أي تحالف غير طبيعي محكوم عليه بالفشل، وأضاف أنه في الوقت نفسه يبقى الانخراط في السياسة يكاد يكون مستحيلاً بدون تحالفات، وفي بعض الأحيان تكون هذه التحالفات سريعة الزوال، كما كان الحال في إيران بعد الثورة، حيث انفرط عقد التحالف بين الخميني مع الحزب الشيوعي توده.

وخلال مظاهرة نظمت أمام البرلمان، وقف حسن بناجح، عضو الدائرة السياسية للجماعة، والمعطي منجب، جنباً إلى جنب، وفي محاولة لتبرير هذا التقارب، قال المؤرخ: "إن الصراع بين العلمانيين والإسلاميين في العالم العربي مدمر، ولذلك من الأفضل الالتقاء والمناقشة حول الاختلافات في وجهات النظر".

وفي نفس يوم المظاهرة، نظم حزب النهج الديمقراطي لقاءً حول تصور الجهات الخارجية حول اليسار الراديكالي، وقد شارك فيها عمر إحرشان، الذي اعتبر أنه "لا يمكن أن يحدث أي تغيير سياسي جاد دون حزب النهج". ورغم أن هذا التصريح قد يبدو تافهاً إلا أنه يشير إلى مستوى تبعية العدل والإحسان تجاه حليفها الماركسي الذي مازال وزنه في الساحة السياسية ضئيلاً.

ويشير الصحافي مختار لغزيوي، في تصريحات لموقع "أطلس أنفو"، إلى أن "الجماعة تعلم أن قناعاتها لا تلقى صدى في نفوس المثقفين المغاربة، وهي تعرف أن إيديولوجيتها التي تغذيها الأساطير والمعتقدات الغريبة لن تنجح في إقناع الفئة المثقفة، ولذلك يعتقد قادتها أن النهج الديمقراطي وحلفاءه يمكن أن يساعدوها على الوصول إلى هذه الطبقة من السكان".

تحالف المكفوف والمشلول

من جهته يُعاني اليسار الراديكالي الذي يمثله النهج الديمقراطي، حسب تحقيق "أطلس أنفو"، من جفاف الأفكار التي لم يعد يسمعها المغاربة، حيث قال لغزيوي: "إن معظم مؤتمرات النهج لها حضور محدود للغاية، إن لم يكن قريباً من الصفر".

ويصف مارك إتيان لافيرن التحالف بين اليسار الراديكالي والعدل والإحسان بتحالف المكفوف والمشلول الذي يسمح للمكفوف بأن يرى، ويتيح للمصاب بالشلل أن يمشي، وزاد: "لا أعتقد أن هذا الزواج سينجح.. ستكون هناك قطيعة كلما قال طرف لنفسه: حسناً لقد فزت بما يكفي سأستعيد حريتي؛ وهي ظاهرة شهدتها مصر مع الإخوان المسلمين".

وفي انتظار هذا التقادم المبرمج، ليس هناك شك أن أفكار اليسار، حتى الأقل راديكاليةً، هي التي ستخسر لا محالة من التقارب مع فاعل مخلص للغاية للتراث العقائدي لمؤسسه عبد السلام ياسين.

في المقابل، يبرز الحزب الاشتراكي الموحد حذراً أمام حملة الإغراء التي تقودها جماعة العدل والإحسان، وقد شاركت نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب، في اللقاءات بين العلمانيين والإسلاميين المنظمة من طرف منظمة قرطبة في إسطنبول والدولة بين عامي 2016 و2017، حيث كان ذلك سرياً إلى أن ألقى بيان العدل والإحسان الضوء عليها وتسربت للإعلام، لتتعرض منيب آنذاك لانتقادات من قبل أعضاء حزبها، وتؤكد أنها شاركت كأكاديمية وليست كممثلة للحزب.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات