القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار

taroudant press : ربيع "الواتساپ" يكتسح الصحراء .. البوليساريو كرة مفرومة بالرابوني

taroudant press : ربيع "الواتساپ" يكتسح الصحراء .. البوليساريو كرة مفرومة بالرابوني

 taroudant press : ربيع "الواتساپ" يكتسح الصحراء .. البوليساريو كرة مفرومة بالرابوني

تستمتع المخيمات البدوية [الصحراوية] بسهولة مدهشة بالتواصل، إذ لا يمكن عمليا تسجيل حضور لهؤلاء البدو بدون (خبرو) أي الأخبار.. من هنا، كانت تحية الأشخاص فيما بينهم تطول عند كل لقاء، فينقلون ماجريات الأخبار؛ من قبيل العجاج، والصحراء الكبرى هي وسطهم المناسب لتبليغ أخبارهم بإسهاب، عبر دردشة طويلة قد تمتد إلى طلوع الفجر، يتحدثون على «براد» من شاي دائم ومتميز ما دامت النار في الموقد السحري الخالد! يتذوقون مئات الكؤوس من الشاي يوميا. يحللون بمهارة أخبارا عديدة؛ منها نمائم وأخبار زائفة وكل شيء، متحلقين حول موقد إن كانوا في الصحراء، أو حول مجمر في صالونات المنازل.

لا تنقصهم البتة صينية الشاي، كلام فكلام فكلام! لا يمكن تصور وجود صحراء وبدوييها بدون أخبار. وُجد هذا النمط من الحياة قبل الأنترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي، فقد صار البدوي اليوم يميز بين الأخبار ويذيعها، كما يصنف كل الأشخاص المحيطين به ويوظف كل ذلك حسب ما تصبو إليه قبيلته. تاريخ شخصي أو عائلي أو قبلي لكل واحد.. لا شيء يضيع هنا، كل شيء يختزل ويحفظ في ذاكرة كل فرد من هذا المجتمع من الرُّحّل والذي تعولم اليوم بواسطة الهواتف الذكية.

إنها مجتمعات ذات ثقافة شفاهية سائدة ومهيمنة؛ يفضلون الفعل على الحرف المكتوب، والحكي الخرافي على الكتابة، والتكلم على السمع، والشعر على النثر، وفوق كل هذا، هي مجتمعات حرة مثل ريح الصحراء؛ أن يُعتقل بدوي فكأنه اغتيل أو فقد توازنه !

لم يكن أبدا له جار دائم ولا عنوان قار إلى أن جاء البوليساريو.. نشأت هذه الحركة في بداية السبعينيات معلنة أنها (الممثل الشرعي الوحيد) لشعب لم يستطع أن يحدد هيئته الانتخابية ولا حدود أرضه؛ ورقته الرابحة الوحيدة - وهي أيضا سبب انتحاره في الوقت نفسه- الأصل القبلي لا الشرعي. ومن أجل تحقيق هذا الإنجاز، أوجدت مخيمات تندوف بالجزائر، وما يجهله الرأي العام هو أن هذه المخيمات شرع في إنشائها في صيف 1974 بخيام لبدويين صحراويين جزائريين، أي قبل عام ونيف من المسيرة الخضراء شرعوا في تنفيذ هذا المخطط.

بهذه الطريقة تم جر بعض السكان إلى مخيمات تندوف؛ في حين بقيت الأغلبية العظمى من السكان تعيش في مدنها الأصلية. وحسب إحصاء الأمم المتحدة لسنة 1998، فإن 73 في المائة من الشعب الصحراوي ظل يعيش مرتاحا فوق أرضه الأصلية، ينخرط في الأحزاب المختلفة، وله منتخبوه وممثلوه في البرلمان المغربي.

هكذا، وضد طبيعتها -كما يلاحظ- نرى طائفة من هذا الشعب حبيسة في حمادة تندوف، وقد أصبحت تستغل كخلفية تجارية عند منتصف اللاشيء، ولقنوها كيف تتحول إلى طائفة ما عليها سوى أن تخضع ولا تنبس بكلمة؛ هكذا ذاب هذا المجتمع رغما عنه، مجتمع مقتلع من أراضيه الأصلية بوعود كاذبة، صار معها رهينة مع الأسف.

جل الذين وصلوا إلى هناك قد ماتوا وخلفوا من بعدهم عددا من الأطفال عديمي الجنسية [البدون] وبدون مستقبل؛ إنها كارثة حقيقية تتطلب حلا عاجلا يتخطى الخطاب الوحيد الذي تؤيده جهات تدعو إلى مجتمع في حالة جنينية تنتظر قدرها وتتجمد مع الزمان، وتستغل طبيعتهم التي تميل إلى الجماعة من أجل فرض نظام شمولي. زرعوا الخوف والرعب في سرية تامة حتى يتمكنوا من هذه الجماهير، وهذه الأساليب تلقن داخل المخيمات وخارجها، الشيء الذي يعد - حسب زعمهم - بكويت مغربي جديد وخرافات لا يدعمها الواقع.

يختلقون أصدقاء من كل جانب، ومن يعارضونهم فهم الأعداء، ومن يعزم على السفر من المخيمات يجد نفسه مشنوقا بالشجب والتقريع. وقد استطاع البوليساريو أن يحافظ على الوضعية حسب هواه بفضل هذه المخيمات والحصار المضروب على الإعلام الذي لا يسمح بتسرب الأخبار إلى الخارج، فيتلقى الدعم وفوق هذا ضخ المبالغ الهائلة من الأموال في هذا الاتجاه. ولعل أبشع مهزلة هي ادعاء أن الشعب الصحراوي كله يعيش في مخيمات تندوف.

إن كان من انتصار حققه البوليساريو بنجاعة قرابة خمسة عقود، فهو تعذيب وحرمان نفوس بريئة محتجزة نفسيا وتابعة اقتصاديا، وكذا التستر الإعلامي القمين بالكشف عن الخروقات، وخاصة تلك المرتبطة بحقوق الإنسان والتعسف، وسجن الأمهات العازبات، وسرقة المساعدات الإنسانية. وفوق كل هذا الطبيعة الخاصة لهذا التنظيم الذي يقدم نفسه كالمسيح المنقذ أو المهدي المنتظر (للصحراويين البائسين) فحسب أحد القادة الأكثر جرأة "الوزير واتساب، من أصل مغربي فإن تاريخ هذا الشعب بدا فقط مع تأسيس هذه المنظمة في الزويرات بموريطانيا سنة 1973 مكونة من أشخاص قادمين من أربع دول، لا تربطهم سوى أواصر قبلية.. بمجرد توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بين المغرب والبوليساريو، بدون أي تغيير، اختار هذا التنظيم أن ترسو سفينته في الماضي الراديكالي أكثر بكثير من أولئك الذين يغادرون مركبه الغارق، وصار منزعجا من كل وسائل الإعلام؛ لا تعترف هذه الجمهورية (الديمقراطية) بالآراء المخالفة أو على الأقل، تلك التي لا تؤيد القيادة العليا، ولا الجمعيات ولا الآراء الحرة .

أما توجهها نحو الخارج، فهو نسخة طبق الأصل من (جمهورية مورو) حيث لا يجري المال، والكل يعمل من أجل التحرر.

لكن البولساريو لم تتوقع تأثير وعواقب عولمة الأنترنيت، يأتي هذا في وقت توقف فيه المسار بشكل نهائي، لا حرب ولا سلم؛ مع ظهور مئات من الشباب المكون جيدا في دول أخرى، والتواق إلى التمتع بالحياة حسب نظرته إلى العالم. فقد أثبتت التجربة أن القليلين من هؤلاء الخريجين من الجامعات يودون العيش في مخيمات تندوف.

ومع تدفق شبكات التواصل الاجتماعي، الفايسبوك أولا، وبعده الواتساب تقلصت المسافات واخترقت الحدود، استُرد الصوت الفردي حضوره. لقد تعولم الأنترنيت، وحفرت قبرا للطغيان، وفتحت كليا صندوق باندورا في مخيمات تندوف.

أتيحت إمكانية تكسير الطابوهات والتواصل مع الأهل في كل مكان، والتعبير بدون خوف عما يؤلم. نشأت ثورة جديدة بفضل الواتساب، وولد معها الفرد المتضرر من الجماعة، والذي أخذ جرعته الكافية من الوعي الفردي والشخصي، وحطم سياج المعلومات المضللة التي كانت نقطة قوة للتنظيم، وتدفق المال والغذاء، والحياة الاجتماعية، تنتقل الأخبار تلقيا وإرسالا، وصارت النظرة إلى العالم بعيون مفتوحة بدون غشاوة. نشأ نوع جديد من المجتمع الذي لا يقبل استغلاله، أصبح الآن ممكنا أخذ الشاي والحديث مع أشخاص في نقطة أخرى من الأرض .

وفجأة، انتبه كثير من المحبطين إلى أن البوليساريو كرة مفرومة في وسط الرابوني. كل هذا بفضل الأنترنيت، بفضل هذا انطلق الربيع الواتساپي في المخيمات، فتأسست منصات خاصة للحديث الشفوي المباشر، وظهرت آلاف المجموعات على الواتساپ تخرج إلى النور جرائم ووحشيات وجور بمختلف أصنافه.. وفضح الرشاوي... إلخ.

يحكون قصصا مرعبة، آخرها الجريمة الشنيعة والوحشية التي احتجز فيها المراهقان مها وعلي داخل وريد منجم مهجور في خلاء تندوف بواسطة جنود جزائريين، كل جرم المراهقين بحثهما عن معيشة وسط هذا العدم !

حققت شبكات التواصل الاجتماعي الانتصار على النظام الشمولي الذي اقترف خطأين فادحين؛ أولهما حجزه لطبقة من البدو في مخيم وتحويلها إلى طبقة قاعدية لحزب وحيد سياسي-عسكري.. وثانيهما احتكار المعلومة وتحويل الناس إلى ثلة من المذعورين والخنوعين بدون كلمة ولا انتخاب !

مكنت الأنترنيت من عولمة المعلومة، وحفر قبر للبوليساريو المتقادم عفا الزمن عن عقيدته، أشعرت الأنترنيت الشخص البدوي بفردانيته، كل واحد يفكر بمحض إرادته ويحس بفرادته. وهذا سيسفر عن اكتشاف كارثة الإعلام المغلوط والخطاب الوحيد والخوف الذي يسكن البوليساريو، وكذا ضآلة لغته التي أنشأها عند بداية السبعينيات وقد تجاوزها العصر إلى حياة أفضل .

هذا التغيير الاجتماعي ناتج عن شبكات التواصل التي ساعدت على بلورته، وخلق وعي مكتسب لدى شباب بمستوى عال من الثقافة، على عكس أسلافهم الذين كان أغلبهم أميين، نتيجة تعلمهم في أوروبا وأمريكا، وتنقلهم المستمر بين الأقطار المغاربية. كل هذا ساعد على تبلور وعي هؤلاء الشباب ونمو رصيدهم الثقافي وقوة تحليلهم الفردي والجماعي، وعيشهم خارج المخيمات، وأخيرا أيضا دفاعهم من أجل الحاجيات الاقتصادية الأساسية.

كل هذه العوامل حفزت وعيهم الجديد الذي يتمركز حول البحث عن مخرج مشرف من أزمة فرضتها سياسة الأمر الواقع التي عاشوها ردحا من الزمن، ورفضهم القاطع للسياسة القديمة التي ينهجها قادتهم المسنون.

أمر مؤسف أن هذه الثورة السلمية الصاخبة، والتي تطالب فقط بالعدالة وسط الصمت، لا تسمعها تلك الأصوات الغربية المتحمسة للدفاع عن حقوق الصحراويين، ويظلون منزعجين من قضية "حقوق الإنسان" في جانب فقط من رقعة النزاع.

ولكن هناك أصوات لصحراويين وغير الصحراويين ترتفع منادية بحياة كريمة لجميع الأفراد، مستنكرة لسياسة الأنظمة الشمولية والدموية، ومطالبة بالعدالة.

لا تنجح الثورات أبدا إذا كانت خارج الحدود، ويديرها أغراب عن الأرض وهم رهائن عند غيرهم من ذوي المصالح الجيو سياسية.. سينتبه العالم آجلا أو عاجلا إلى أن "القبض على الكذاب أيسر من مطاردة أعرج"، كما يقول المثل الإسباني.

شكرا للواتساب لمساعداته القيمة في الدفاع عن الحقوق الحقيقية للإنسان ضحية الانتظار الأبدي، ولكشفه الوجه الحقيقي لمن يحبذون بقاء الوضع على ما هو عليه كتجارة مربحة لهم.. أنت يا واتساب جدير بالفوز بالجوائز العالمية، نعم تستحقها، ويستحقها أكثر أولئك الأشخاص الذين تخلصوا من الخوف واستعملوا الواتساپ من أجل رفع صوت منقذين أشخاصا متابعين أو مختطفين، ومستنكرين ذلك بدون كلل.

إنهم المدافعون الحقيقيون عن حقوق الإنسان، ولا يجب خلطهم بالنشطاء السياسيين الذين يدافعون فقط من وجهة نظر تلحق الضرر بالحقائق، من أجل منافع واهتمامات خاصة.

وشكرا أيضا للأشخاص الذين عرفوا كيف يصححون ويفهمون المخطط المحبوك بطريقة استهدافية؛ لأن الاصطفاف إلى جانب واحد يساعد على تأبيد النزاع الذي يجب أن يحل بدون غالب ولا مغلوب، وعندها يعم السلام الحقيقي في كل أرجاء المنطقة المغاربية.

reaction:

تعليقات

تارودانت بريس جميع الحقوق محفوظة © 2020 taroudant 24 press