القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار

حفريات لغوية

حفريات لغوية

حفريات لغوية

في الحسانية يطلق على الموسيقى أزوانAzawan ، وهي كلمة أمازيغية تعني الموسيقى. وفي الحسانية أيضا تطلق على الآلات الموسيقية أسماء كلها أمازيغية، مثل تسمية “تيدينيت” Tidinnit، وآلة “أردين” Ardin، التي تعزف عليها النساء فقط، وكذلك آلة “إمزاد”Imzad ، وهي آلة موسيقية صحراوية أمازيغية تنتشر في المناطق الجنوبية المغربية وبصحراء موريتانيا وجنوب الجزائر، وتوجد أيضا في مناطق غدامس بليبيا. أما “إيگاون” Igawn فهي رقصة أمازيغية معروفة لدى مجتمعات الصحراء، خاصة في المغرب وموريتانيا. ويعتقد المتحدثون بالحسانية اليوم (أغلبهم صنهاجة الأمس) أن كل هذه المصطلحات عربية بلهجة حسان. كما يقول بعض الباحثين كلاما لا معنى له، حين نسمع أن آلة “تيدنيت” هي “آلة موسيقية حسانية أصيلة”. هذا كلام حين يقوله مثقف أو باحث أكاديمي يصبح جريمة في حق التاريخ والثقافة والإنسانية.

أما الجميع في مناطق الصحراء بالمغرب وموريتانيا فيعتبرون كلمة “أزوان” Azawan هي مصطلح “عربي” حساني، إلى درجة أن مهرجانا موسيقيا كبيرا ينظم بمدينة العيون يسمى مهرجان “أزوان”. كما ينظم مهرجان موسيقى كبير بمدينة بوجدور يسمى “أكبار” Akabar، وهي كلمة امازيغية تفيد معنى القافلة. وهم حين يطلقون هذه الأسماء يعتقدون أنها “حسانية” عريقة. كل هذه الكلمات والمصطلحات الأمازيغية لا تزال مستمرة في اللسان الحساني إلى اليوم، لأنها كلمات قديمة جدا، واحتفظت بحيويتها واستمراريتها، بالرغم من التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي طرأت في الصحراء على مدى فترات تاريخية متواصلة.

لذلك نلاحظ أن كل ما له علاقة بالثقافة والفنون في الصحراء لا يزال يحتفظ بالأسماء الأمازيغية الصنهاجية الأصلية، لسبب بسيط هو أن الثقافة تكون بنيوية في المجتمعات التي لا تتعرض للتعرية بسهولة، مهما كانت شدة وقوة التحولات، كما أن القبائل التي تعتمد على الغزو والحرب وتأكل من المغارم والغنائم لا تهتم بالثقافة ولا تعتني بها.

ذلك ما ينعكس أيضا على الإيقاعات فيما يسمى بالموسيقى الحسانية، فهي إيقاعات الموسيقى الأمازيغية في الصحراء، سواء تعلق الأمر بإيقاعات صنهاجية أو إيقاعات التوارگ/ الطوارق. واليوم بفضل انتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة والحرة، أصبح العالم مولعا وعاشقا لموسيقى التوارگ بفضل المجموعة الأسطورية المدهشة والخالدة “تيناروين” Tinariwin ، أكثر مجموعة موسيقية شهرة في العالم، وهي من توارگ مالي، تغني وتنشد حول قيم الصحراء، وقيم تيموزغا، والحرية، والسلم، والتعايش، كما تعتبر سفيرة متجولة في بلدان المعمور تعرف بقضايا التوارگ ومحنهم السياسية ومشاكلهم المناخية، وعبرها اكتشف المغاربة عمق وأصالة الموسيقى الصحراوية. وما يعرف بالموسيقى الحسانية هي فقط شكل من أشكالها، وضمنها أشكال أخرى متعددة في موريتانيا وحوض النيجر وجنوب الجزائر وجنوب ليبيا في غدامس ومرزوگ وغيرها.. وكلها تعبيرات وألوان للموسيقى الأمازيغية الصحراوية، بغض النظر عن اللغة التي تستعمل في الغناء، حسانية، أو لغة الصونغاي أو الهاوسا أو التوبو أو غيرها، لأن البنية الثقافية لا تتغير.

والحديث عن الأشكال الثقافية التي أنتجها المجتمع الصحراوي الأمازيغي منذ القدم، والتي لا تزال مستمرة في المجتمع الحالي الناطق بالحسانية، هو حديث لا ينتهي بحكم كثرة وتعدد المظاهر الثقافية التي قاومت الاندثار والتعريب، وفرضت نفسها بقوة داخل المجتمع، ولا بد أن نذكر هنا عادة وطقس “تارزيفت” Tarzzift المنتشرة في مناسبات وتقاليد الزواج، وتعني الهدية المقدمة للعروس، وهي عادة أمازيغية قديمة، ومنها اشتقت تسمية “إنرزاف”، وهو اسم المجموعة الغنائية الأمازيغية المشهورة في سوس، ويعتقد حاليا الناطقون بالحسانية في جنوب المغرب وموريتانيا أنها كلمة وعادة حسانية. ومنها أيضا مصطلح “تارگالت”، الذي يعني أيضا الهدية التي تسلمها الساكنة للقوافل التجارية العابرة للصحراء، ولذلك سميت بها مدينة وواحة محاميد الغزلان شرق المغرب، قبل أن يغير محمد الخامس اسمها من تارگالت إلى محاميد الغزلان حين شاهد الغزلان تركض على الكثبان الرملية.

ومن أشكال الثقافة أيضا اللباس وطريقته، الذي يعبر عن الهوية والثقافة والتاريخ. وفي الصحراء نجد ظاهرة اللثام، التي تعتبر من ملامح هوية أمازيغ الصحراء، فلا داعي لذكر كلام الجغرافيين والمؤرخين الذين تحدثوا عن هذه الظاهرة بإسهاب كبير، فجميع من تكلم عن الصحراء منذ الأزل أثار واستفاض في قضية وضع اللثام من قبل صنهاجة وقدماء التوارگ، ويندهشون من الطريقة التي يتمسك بها الأمازيغ بوضع اللثام، قبل دخول القبائل العربية بكثير، إلى درجة أن دولة المرابطين الصنهاجية كانت تسمى دولة “الملثمين”، حيث كان ملوكها يتشبثون بوضع اللثام، حتى وهم في قصور الأندلس.

واليوم يشتهر التوارگ باللثام، ويتميزون به عن باقي شعوب العالم، ليس لأنهم يقطنون في الصحراء فحسب، وإنما لأنه أصبح محددا أساسيا في الهوية والثقافة، فهو يعبر عن نمط عيش شعب أصيل في الصحراء. ويسمى اللثام عند التوارگ بـ”تاگلموست”Taglmust ، وفيه أنواع كثيرة بألوان متعددة، يتم وضعه بطرق دقيقة جدا لا مجال فيها للفوضى والصدفة. وقد تتميز مجموعة من المجموعات التارگية عن أخرى فقط بطريقة وضع اللثام.

كما تجدر الإشارة أيضا إلى أنماط السكن، ونقصد به الخيمة، فهي شكل من أشكال الثقافة الأمازيغية في الصحراء. والخيام المنتشرة في المغرب وموريتانيا هي خيام صنهاجية، في طريقة التصنيع والتركيب. كما أن خيام التوارگ تتميز عن خيام المناطق الأخرى، التي تنتشر فيها القبائل الأمازيغية التي تعيش على نمط الترحال والانتجاع، وتسمى بالأمازيغية لغة التوارگ بـ”أهين”Ahin ، ومنها اشتق اسم الجدة المؤسسة لشعب الهگار Ahggar بجنوب الجزائر “تينهينان” Tinhinan ، وتعني ذات “الخيام”، وقبرها اليوم يعد مزارا مشهورا يقدسه ويزوره التوارگ، وقد أنجزت حوله أبحاث أركيولوجية في العقود الأخيرة. ويوجد تفسير في لغة التوارگ يقول إن “إيزناگن”Iznaguen ، التي هي تصحيف وصيغة معربة لصنهاجة، تعني “أصحاب الخيام الجلدية”.

بمعنى أنه حين نتحدث عن الخيمة كثقافة وكمؤسسة وكشكل من أشكال الحضارة، فإننا نتحدث عن ثقافة أمازيغية عريقة، وعن حضارة صنهاجية بالأساس، فقبائل الأطلس المتوسط، المعروفة بقبائل زيان، تطلق على المنزل والعائلة “أخام”. و”آيت أوخام” هي قبائل ومجموعات صنهاجية أيضا.

لا يتسع المجال للحديث أكثر عن أشكال ثقافية أخرى تنتشر في الصحراء، ويعتقد البعض أنها حسانية “عربية”، في الطعام والطبخ واللباس والشعر والرقص والزواج والهدية، وفنون التجميل عند النساء، والتجوال، وأهمها طريقة إعداد الشاي وشربه وطقوسه، وهي طقوس أمازيغية عريقة، تتعرض اليوم لأشكال التزييف. نحن نبحث في هذه المواضيع بشكل علمي تاريخي وأنثروبولوجي، وندعو إلى المزيد من البحث الأكاديمي واللساني والتاريخي في القضايا ذات الارتباط بثقافة المجتمعات الصحراوية وتاريخ المجال، وفق مناهج جديدة وعلوم مختلفة، ليس لنقول إن هذا أصلي وذاك غير أصلي، أو كرد فعل على ممارسات معينة، وإنما للدفاع عن هوية الصحراء الأمازيغية، والعناية بالثقافة الأمازيغية الصنهاجية، التي هي الأصل والامتداد في الصحراء، كما هو مشروع أيضا الحديث عن الحسانية. ولا بد أن نؤمن بثقافة التعايش وقبول الاختلاف، التي هي أساسيات العيش وركيزة ثقافة الصحراء.

أما الهيمنة الثقافية والإقصاء والتفوق العرقي المزعوم فهي أساليب بائدة ولى عليها الزمن.

 

reaction:

تعليقات

تارودانت بريس 24 جميع الحقوق محفوظة © 2021 Taroudantpress