القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار

حقوق الطفل والإعلام بالمغرب اية قراءاة !

حقوق الطفل والإعلام بالمغرب اية قراءاة !

 حقوق الطفل والإعلام بالمغرب اية قراءاة !

بولعلام مبارك 

باحث في مجال حقوق الطفل
اضحى الإعلام اليوم أداة بارزة تقاس بها نبض المجتمعات، ومستوى الوعي والحرية الذي يعيشه المجتمع، كما يشكل قاطرة حقيقية لترسيخ المبادئ وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الطفل. واذا كانت مختلف التشريعات الدولية نصت على حق الطفل في الإستفادة مما توفره وسائل الإعلام من كم هائل من المعلومات بشتى تلاوينها الا أن ذلك مقرون بضمان سلامة وحماية الطفل من أي مواد أو انتهاك لحرمته.  
وتكرس المادة الثالثة عشر من اتفاقية حقوق الطفل 1989 حق الطفل في حرية التعبير، بما فيها طلب جميع أنواع المعلومات وألافكار وتلقيها واذاعتها سواء بالقول أو الكتابة أو الطباعة أو الفن، ولا يجوز تقييد هذا الحق الأ بما يتعلق بمصوغات محددة على سبيل الحصر في القانون.
ومن جانب اخر تحيل المادة السابعة عشر من الإتفاقية على التزام الدول الأطراف ببدل جهودها لتشجيع وسائل الإعلام على ضمان حصول الطفل على المعلومات والمواد التثقيفية والمعرفية والإجتماعية، ووضع اليات للتعاون الدولي لهذا الغرض، علاوة إيلاء اعتبار خاص لكتب الأطفال، وللإحتياجات اللغوية لأبناء مجموعات الأقلية والسكان الأصليين.
 وزيادة على التأكيد الصريح لمضمون هاتين المادتين على ترابط حق الطفل في التعبير عبر مختلف الوسائط، والحق في الإستفادة مما توفره وسائل الإعلام من المعلومات الذي تغذي قدراته المعرفية والثقافية والترفيهية، يأتي التعليق العام رقم واحد(2003) حول اهداف التعليم ليزكي دور وسائل الإعلام كركيزة أساسية لترويج القيم والأهداف، بما تنطوي عليه من تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية. 
كما حرص البروتوكول الإختياري لإتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلال الأطفال في البغاء وفي المواد الإباحية (2000) على الإشارة الى مسؤولية وسائل الإعلام في ترسيخ الوعي والتثقيف والتدريب المتصل بالتدابيرالوقائية من بخطورة الجرائم المرتكبة ضد بيع الأطفال واستغلالهم في البغاء والمواد الإباحية، علاوة على ضمان اشراك الأطفال في برامج الإعلام والتثقيف. 
وبدورها فاتفاقية لانزاروت (2007) اكدت على دور قطاع تكنولوجيا المعلومات والإتصالات على المشاركة في وضع سياسات وأنظمة للحد من الإستغلال الجنسي والإعداء على الطفل.  
وحدد كل من اعلان أوسلو (1999) وإعلان قمة البرازيل (2004) ملامح علاقة الإعلام بحقوق الطفل، على ثلاث مستويات رئيسية أولها الحق في الوصول والإستفادة من الفرص التي تتيحها وسائل الإعلام، ثم الالتزام بالمعايير والمبادئ المهنية في معالجة قضايا ذات الصلة بالطفل لضمان اقصى حماية ممكنة له، ثم أخيرا العمل على اشراك الطفل في الإعلام ونشر ثقافة حقوق الطفل. 
ومما ذكر أعلاه يظهر أن مختلف التشريعات الدولية الخاصة بحقوق الطفل ابرزت أهمية الإعلام كشريك أساسي في تعزيز حقوق الطفل، ونشر التوعية والتحسيس بمختلف القضايا التي تهم الطفل، وبالتالي فالأمر لا يقف عند مسألة عدم الإضرار بمصالح الطفل بل يتعداه الى اشراك الطفل، والحرص على تبني مقاربة وقائية للحد من أي انتهاك لحقوقه.   
التكريس الدستوري والقانوني لحقوق الطفل في الإعلام: 
اثار الدستور المغربي لسنة 2011 حرية الإعلام وحقوق الطفل بشكل منفصل حينما ابرز من خلال الفصل 32 منه على سعي الدولة ضمان الحماية القانونية والإعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال، بكيفية متساوية، بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية، كما اكد على حق الطفل في التعليم كالتزام مشترك بين الأسرة والدولة. 
في المقابل فحرية الصحافة والإعلام حق دستوري، مع ضمان حق الجميع في التعبير ونشر الأخبار والأفكاربحرية، الا بقيود محددة قانونا. ولا يمنع ذلك التشجيع على تنظيم قطاع الصحافة، بكيفية مستقلة، و ديمقراطية، في اطار القواعد القانونية والأخلاقية، مع الإلتزام باحترام التعددية اللغوية والثقافية والسياسية للمجتمع. 
اما على مستوى القوانين المنظمة لقطاع الإعلام فتؤكد ديباجة القانون رقم 83.13 المتعلق بالإتصال السمعي البصري على أولوية النهوض بممارسة حرية الإتصال السمعي البصري وضمان حرية التعبير الفردية والجماعية والإلتزام بأخلاقيات المهنة واحترام حقوق الإنسان.
وعلاقة بالطفل فالقانون يؤكد على منع كل اشهار يهدف الى الحاق ضرر معنوي أو بدني بالقاصرين، من خلال التشجيع المباشر لهم على شراء منتوجات أو خدمات عن طريق استغلال سداجتهم وقلة تجربتهم. أو بزعزعة ثقتهم الخاصة تجاه ابائهم أو معلميهم أو أي شخص له سلطة عليهم. كما يمنع أي اشهار يقدم القاصرين في وضعية خطيرة دون سبب مشروع، او أي وصلة اشهارية تعرض السلامة الذهنية والجسمية والأخلاقية للأطفال والمراهقين للخطر.
 زيادة على ذلك تفرض المادة الثامنة على متعهدي الإتصال السمعي البصري النهوض بثقافة المساواة بين الجنسين ومحاربة التمييز بسبب الجنس، والإمتناع على بث برامج تلحق ضررا بحقوق الطفل كما هي متعارف عليها عالميا.
اما بخصوص قانون الصحافة والنشر رقم 88.13 وبقدر تأكيده على ضمان حرية الصحافة والرأي والتفكير فالمادة 37 منه تنص على حظر ومنع التحريض المباشر على الكراهية أو التمييز العنصري أو التحريض على الإضرار بالقاصرين، وبخصوص الإشهار فالقانون يمنع بث أي وصلة اشهارية في الصحف المطبوعة أو الإلكترونية تتضمن إساءة وتحقيرا للنشء أو ينطوي على إساءة لشخص لطفل القاصر أو تتضمن تغريرا به او مسا به أو ترويجا للتمييز بين الأطفال بسبب الجنس.
ودرءا لكل ما من شأنه التأثير على أخلاق وكرامة الطفل فالقانون يفرض غرامات تتراوح من 50000 الى 100000 درهم عند الإخلال بالحماية اللازمة للطفل. كما يمنع عرض أو تقديم أو بيع النشرات أيا كان نوعها، المعدة للبغاء أو الدعارة أو الإجرام أو استهلاك أو ترويج المخدرات والمؤثرات العقلية أو الكحول أو السجائر للأطفال دون الثامنة عشر تحت طائلة توقيع غرامة تصل من 100 الف الى 500 الف درهم.
كما يمنع نشر المرافعات الخاصة بقضايا الأطفال أو القضايا التي يتورط فيها احداث، أو الأشخاص الراشدين كيفما كانت طبيعتها، والتي تسمح بالتعرف على الأطفال.
ولعل ما يستشف من عرض القوانين اعلاه حصرها مسألة حقوق الطفل في خندق سلبي مقرون بعقوبات زجرية وليس مقاربة شمولية تضمن النهوض بحقوق الطفل ونشر التوعية بقضايا الطفولة في المجتمع.
 
دفاتر التحملات كوسيلة لضمان مقاربة حقوق الطفل في الإعلام السمعي البصري بالمغرب:
على مستوى الأهداف العامة لدفاتر التحملات فتسعى الى تكريس حماية حقوق الطفل والجمهور الناشئ وتلبية حاجياته، زيادة على تشجيع التربية والتعليم والتحفيز والإبداع الثقافي والفني والتكنولوجي والرياضي، للإستجابة لحاجيات المواطن المغربي في ميادين الأخبار والثقافة والتربية والترفيه.
كما تمنع التحريض على نهج سلوكات تلحق ضررا بالصحة أو بسلامة الأشخاص والممتلكات أو بالبيئة، وكل ما من شأنه تعريض السلامة الذهنية أو الجسمانية أو الأخلاقية أو النفسية للناشئين للخطر، أو المساس بحرمة الحياة الخاصة وبالكرامة الإنسانية وبالأخلاق العامة.
وتلتزم قنوات الإعلام العمومي بمقتضى دفاتر التحملات بضمان برمجة خاصة بالطفل تستجيب لحاجياته ومتطلباته الخاصة، على مستوى تعزيز وتقوية قدرات الطفل الثقافية والفنية والإبداعية، علاوة على برامج ترفيهية، ثم العمل على حماية الطفل من اي مواد اعلامية قد تمس بشخصية الطفل، وأخلاقه، وسلامته الخاصة. زيادة على تخصيص برامج يومية واسبوعية للطفل، تتضمن مواد ثقافية وعلمية وتحسيسية، زيادة على برامج للتسلية والترفيه، وتعزيز التوعية البيئية وثقافة حقوق الطفل.
وبخصوص بعض فئات الأطفال في وضعية صعبة فدفاتر التحملات تشترط ضمان إخفاء الهوية التامة للأطفال باستعمال الوسائل التقنية اللازمة وموافقة ولي امرهم، ودلك بشروط لبث شهاداتهم.
وضمانا للتفعيل الأمثل للمقتضيات المنصوص عليها في دفاتر التحملات، اناط المشرع للهيئة العليا للإتصال السمعي البصري بالسهر على تتبع امتثال مختلف وسائل الإعلام للمقتضيات السالفة، مع تخويلها اليات لزجر المخالفات المرتكبة.
ومما سلف يتبين أن دفاتر التحملات حاولت الى حد بعيد ضمان حق الطفل في الاعلام، وفي وضع إطار لبرمجة اعلامية تستهدف هذه الفئة في مختلف مستوياتها الثقافية والفنية والترفيهية، مع وضع ضوابط لحماية الجمهور الناشئ من أي مواد اعلامية سلبية قد تؤثر عليه.
لكن إلزام المؤسسات الإعلامية باحترام المقتضيات المؤكد عليها في دفاتر التحملات ومختلف القوانين المنظمة يطرح صعوبة بالغة الحساسية، تستدعي العمل على أكثر من صعيد وتظافر جهود كل الفاعلين.
أربع ملاحظات في التعاطي الإعلامي مع قضايا الطفل بالمغرب:
ثورة هائلة يصعب مواكبتها:
لا يجادل أحد اليوم بالمد الجارف لثورة التكنولوجيا والمعلومات وقدرتها على تجاوز كل الحدود، مما سيجعل من العسر تأطيرها وفحص كل ما سينجم عنها من اثار، خاصة بالنسبة للفئات الهشة كالأطفال التي تحتاج الى حماية خاصة من مخاطر هذا العالم الذي يكبر يوما بعد يوم، ومن التسويف مساءلة جهة ما على حماية الطفل بقدر ما هي مساءلة للجميع، بدءا بالأسرة، المدرسة، الإعلام نفسه، الجهات المختصة في الدولة.
الموسمية والإختزالية في الإهتمام بالطفل:
يتعلق التعاطي الإعلامي مع الطفل وحقوقه بالكثير من الإختزالية والموسمية بدل حمل مشعل التوعية والتثقيف بمختلف القضايا التي تهم وعي المجتمع بقضايا الطفل في إطار سياسة واضحة ترتكز على الإستلهام من المعايير الدولية، والوطنية لحقوق الطفل.
وهكذا يركن جانب كبير من الاعلام الوطني في الخلف وينتظر تغطية احداث ووقائع تتعلق بجرائم والإنتهاكات ضد الطفل، في مشهد يقتل في الصميم وظيفة الإعلام، وفي أحسن الأحوال يثم الإحتفاء باليوم العالمي لحقوق الطفل بشكل باهث ولو تخصيص برنامج تستعرض فيه العضلات أكثر من دق ناقوس الخطر للتحديات المحدقة بالأطفال، ومساءلة حقيقية للأدوار الوقائية والتحسيسية لمختلف المتدخلين.
الهيئة العليا للإتصال السمعي البصري والمجلس الوطني للصحافة اية اضافة في حماية الطفل:
تنهض الهيئة العليا للإتصال السمعي البصري في اطارالمهام المسندة اليها قانونا الى السهر على حماية حقوق الأطفال والجمهور الناشئ والحفاظ على سلامته الجسدية والدهنية والنفسية من المخاطر التي قد يتعرض لها اعلاميا، وتشجيع التربية الإعلامية، والسهر على احترام اخلاقيات المهنة ونزاهة البرامج والمواد المبثوثة، والملاحظ هنا هوالإقتصارعلى جانب الحماية دون ان يمتد ذلك الى تبني مقاربة اكثر شمولية تسعى لتعزيز حقوق الطفل.
وبتتبع قراراتها الصادرة خلال سنتي 2018 و 2019 بخصوص رصد ما يبث من صور أو عبارات سواء في الإعلام العمومي أو الخصوصي ذات العلاقة بالطفل فقد اصدرت الهاكا قرارا واحدا سنة 2018 و قررين سنة 2019 يهمان حماية الجمهور الناشئ. وتطرح هذه الحصيلة مستوى الوعي بأدوار هذه المؤسسة الدستورية من جهة كهيئة لتقنين الإتصال السمعي البصري، وثقافة اللامبالاة التي تعتري تعاملنا مع قضايا الطفل من جهة اخرى.
وبخصوص الإلتزام بالبرمجة المنصوص عليها في دفتر التحملات فتقارير الهيئة العليا للإتصال السمعي البصري تؤكد على عدم التزام مختلف المتعهدين بمختلف البرامج المنصوص عليها في دفتر التحملات، ومنها المخصصة للطفل.
وبدوره فالمجلس الوطني للصحافة كهيئة تعنى بالتنظيم الذاتي لقطاع الصحافة والنشر، يهم مجال الصحافيين المهنيين والمؤسسات الصحافية ويعهد اليه بصيانة شرف المهنة في اطار الإلتزام بميثاق اخلاقيات المهنة هذا الأخير يتضمن بندا يتعلق بحماية القاصرين وصورهم في قضايا حساسة اجتماعيا، ولا يجب أن يكونوا موضوع فيديوهات يثم استدراجهم لها بغرض الإثارة المجانية، أو أن يكونوا هدفا لأشرطة مصورة تتضمن العنف والميوعة وانحدار القيم الإنسانية، وللسهر على احترام ميثاق اخلاقيات المهنة احدث المجلس لهذا الغرض لجنة تعنى باحترام اخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية.
وتشمل العقوبات التأديبية التي يتخذها المجلس في حق الصحافيين المهنيين والمؤسسات الصحفية في حالة الإخلال بالواجبات المهنية وميثاق اخلاقيات المهنة والأنظمة الداخلية للمجلس كل من : التنبيه، الإنذار، التوبيخ، السحب المؤقت لبطاقة الصحفي المهني لمدة لا تتجاوز السنة، وفي حالة العود لمدة يحددها المجلس، غرامة مالية بين 5000 و 50000 درهم في حق المؤسسة الصحفية، مطالبة السلطة الحكومية المختصة إيقاف الدعم الممنوح للمؤسسة لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات.
وبالرغم من أهمية هذه المقتضيات في زجر المخالفات المرتكبة الا ان دور التكوين والتدريب في التعامل مع قضايا الطفل يظل السبيل الأنجع لجعل الصحافة شريك أساسي في حماية الطفل، والنهوض بحقوقه.
هيمنة هاجس نسبة المشاهدات وتحقيق الأرباح
نزوح جانب من وسائل الإعلام من الخدمة العمومية الهادفة الى السباق نحو حاجز المشاهدات والأرباح، اضحى علامة بارزة تؤثر سلبا على نوعية الخدمات المقدمة وجودتها، اذ تحوز برامج الواقع والمسلسلات المدبلجة والإشهارات، والأخبار المثيرة…، حيزا مهما في الإنشغالات، ولن يكون المتضرر الأكبر من كل ذلك سوى الأطفال، من حيث المشاهد واللقطات والرسائل المرغوب استيعابها.
واحيانا يكون الطفل هو المستهدف في حملات التشهير عن جهل او بدون جهل، لكن الآثار حينها يكون مدمر لدى هده الفئة لحساسية المرحلة، وهشاشة الوضع النفسي، مما يوجب الكثير من الحذر والتوعية في معالجة القضايا ذات العلاقة بالطفل، بما يخدم مصالح الطفل الفضلى.
وسبق للهيئة العليا للإتصال السمعي البصري اثارة الإنتباه لمسألة النموذج الإقتصادي للخدمة العمومية للإعلام السمعي البصري ودعت الى البحث عن حلول بديلة لتعزيز الاستقرار المالي للمؤسسات الإعلامية بدل اغراق المشاهد في دوامة من الإشهارات.
يظل الإعلام شريك لا محيد عنه في معركة التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي انتظار إنضاج الشروط الموضوعية لذلك ينبغي ايلاء الكثير من الإهتمام للتكوين والتدريب، وتجويد الممارسات الفضلى، مع تعزيز القدرات في مختلف الأصعدة المادية والتقنية والبشرية.

تعليقات

تارودانت بريس 24 جميع الحقوق محفوظة © 2021 Taroudantpress