القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار

الإبداع الموسيقي حاجة إنسانية تزداد إلحاحا في زمن الجائحة

الإبداع الموسيقي حاجة إنسانية تزداد إلحاحا في زمن الجائحة

 الإبداع الموسيقي حاجة إنسانية تزداد إلحاحا في زمن الجائحة

(هناء ضاكة)

 

الرباط  – في مواجهة صخب الحياة وصعوباتها التي تزداد قسوة جراء تداعيات وباء “كورونا”، تبقى الموسيقى ملاذا آمنا للروح المنهكة، تعيد لها بهجتها المفقودة؛ واستجابة لحاجة ملحة للإبداع في مواجهة الأزمة الصحية، ما يجعل من التكوين الموسيقي رهانا حيويا لتنشئة أجيال جديدة لا تتذوق الموسيقى فحسب، بل وتبدع فيها باحترافية أكاديمية.

أزمة “كورونا” وما فرضته من ركود قاس على الحياة الفنية عامة، والموسيقية خاصة، أبرزت أهمية التكوين الموسيقي لرسم مسار الفنان الأكاديمي والمهني، بما يضمن حقوقه ومستواه العلمي ومكانته الاجتماعية؛ مسار يطمئن الآباء ويجعلهم يشجعون أبناءهم على اختيار الفن كمهنة لا كهواية.

 

   + المعاهد الموسيقية، مشاتل التكوين الأكاديمي الأصيل +

 

يؤكد مدير المعهد الوطني للموسيقى والفن الكوريغرافي بالرباط، سمير تميم، أن الوعي الجماعي بالدور المهم الذي تضطلع به الفنون بصفة عامة والموسيقى بصفة خاصة في رقي الأمم والشعوب، حاضر وبقوة في المغرب.

وأوضح مدير المعهد، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن خير دليل على ذلك الإقبال الكبير على المعاهد الموسيقية بالمملكة وإحداث الوزارة الوصية لمجموعة من المعاهد الموسيقية في جميع ربوع المملكة، مستحضرا تشييد مقر جديد للمعهد الوطني للموسيقى والفن الكوريغرافي، ومقر المعهد العالي للموسيقى والفن الكوريغرافي بالرباط، اللذين يستجيبان للمعايير الدولية من حيث التصميم والهندسة واللوازم والمعدات الديداكتيكية.

واعتبر أن إحداث المعهد العالي للموسيقى والفن الكوريغرافي بالرباط سيكون بمثابة محرك قوي لمجموعة من التحولات الإيجابية داخل باقي المعاهد الموسيقية، التي ستواكب التغييرات الإيجابية وتمكن طلبتها من مجموعة من المهارات التقنية والخبرات العلمية التي تؤهلهم لولوجه.

وأبرز السيد تميم أن تدبير عملية التكوين بالمعهد الوطني للموسيقى والفن الكوريغرافي بالرباط يمر في ظروف جيدة نسبيا على الرغم من تداعيات فيروس “كورونا”، حيث يتم الالتزام بالإجراءات الوقائية والصحية التي تفرضها الجائحة من قبيل احترام التباعد الجسدي وارتداء الكمامة والتعقيم.

وأكد حرص المعهد، بصفة خاصة، على احترام الطاقة الاستيعابية المرخص بها، والمحددة في 12 طالبا على الأكثر بالنسبة للتعليم الجماعي، وطالب واحد بالنسبة للتعليم الفردي.

أما بخصوص التسجيل بالمعهد، يوضح السيد تميم، فقد ظل العدد مستقرًا مقارنة مع السنة الفارطة (2983 مقابل 3110)، مسجلا أنه نظرا للطاقة الاستيعابية المحدودة للمعهد، فقد تقرر فتح أبواب المعهد للدراسة، وبصفة استثنائية، يوم السبت لاستقبال جميع الطلبة في ظروف جيدة. كما أبرز أن المعهد يستقطب سنويا حوالي 2000 طالب يؤطرهم فنيا 96 أستاذا في مواد الموسيقى والفن الكوريغرافي والغناء والبالغ عددها 26 مادة تخصص.

وأشار إلى أن الامتحانات الداخلية بالمعهد تمت في ظروف جيدة نظرا للاحترام التام لجميع التدابير الوقائية. أما فيما يتعلق بالامتحانات الإشهادية الوطنية والتي ينظمها المعهد الوطني للموسيقى والفن الكوريغرافي بالرباط، فقد اعتمد المعهد وبتنسيق مع المسؤولين المباشرين في الوزارة الوصية عن القطاع في السنة الماضية مجموعة من التدابير الاستثنائية لتنظيم هذه الامتحانات الإشهادية في ظروف جيدة.

وسجل أنه في الوقت الذي عرفت الساحة الفنية ركودا غير مسبوق، حافظ المعهد على جميع الأنشطة الفنية الداخلية مع أخذ الاحتياطات الواجبة واعتماد تقديم جل الأعمال الفنية عن طريق موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) الخاص بالمعهد وموقع الوزارة، وبذلك حافظ على الاستمرارية في تحسين جودة الأداء وتشجيع الإبداع والطاقات الشابة وخلق جسر تواصلي عن بعد مع كل المهتمين بهذا القطاع.

كما يسعى المعهد، يضيف مديره، في إطار تكوينه للطاقات والكفاءات الموسيقية، إلى خلق دينامية فنية تؤسس للجودة وذلك عبر إحداث فرق موسيقية متنوعة عربية وغربية من المستوى الرفيع، وانفتاح المعهد على العالم الخارجي عبر إحداث شراكات فنية ثقافية مع بلدان أجنبية، وخلق ورشات فنية في مختلف المواد المدرسة بالمعهد يؤطرها أساتذة مغاربة وأجانب.

   + الارتقاء بالتكوين الفني بأفق احترافي ضرورة وليس خيارا +

 

يقول الأستاذ بالمعهد الوطني للموسيقى، محمد شباب، إن المتأمل في الساحة الفنية ما يلبث أن يلاحظ الصخب الموسيقي المتربع على عرش الذوق العام، حيث تضارب الأنماط ووفرتها، بجودتها وعللها، ما لا يترك للجمهور تذوق الحسن، لأن في صناعة محتواها سيمة الاستهلاك والنمطية.

فالتعليم الفني الأكاديمي، وفق ما أكد هذا المؤلف الموسيقي وعازف البيانو، يعد مرجعا لا غنى عنه في النهوض بالمجال الموسيقي لأنه “لا يعنى بالشارع كظاهرة اجتماعية متحولة في المكان والزمان، ولكن همه الإنسان، أخلاقه وقيمه”.

وأضاف أنه “قبل تكوين الفنان، من الضروري تكوين الناشئة والجمهور على تذوق جماليات الفن، ولن يتأتى ذلك إلا بتعميم التعليم الفني كمكمل ثقافي وروحي أساسي بمختلف مؤسسات التعليم العمومي بالمغرب”.

واعتبر الأستاذ شباب، الفائز بالجائزة الخاصة للجنة التحكيم في المسابقة الدولية للتأليف الموسيقي ببلغاريا (2015)، أن المعاهد الموسيقية لا تستطيع لوحدها سد هذا الفراغ نظرا لمحدودية عدد أطرها ومكونيها وطاقتها الاستيعابية.

وقال إن الموسيقى الأكاديمية علم عميق وواسع ومتجذر الأصول، حيث تستلزم من طالب هذا العلم تفرغا كبيرا يضاهي أو قد يتجاوز التفرغ للتعليم المدرسي العام، إضافة إلى موهبة واستعداد خاصين لدى المتعلم.

وأشار إلى أن “حتى من صنعوا تاريخ الموسيقى كباخ وبتهوفن وشوبان لم يكونوا ليُؤتونا من عبقريتهم لولا سنوات من التفرغ لطلب علوم الموسيقى من النظرية والعزف والتأليف واللحن والتوزيع والتسيير الأركسترالي”.

وقال بهذا الخصوص “من دون إرادة سياسية تسطر مسارا مهنيا واضحا للفنان يضمن حقوقه وقيمته الفنية والعلمية ويخول له مكانة اجتماعية مرموقة كسائر البلدان المتقدمة، لا يتجرأ إلا القليل من أولياء الأمور على اختيار الفن مهنة لأبنائهم، لأن المغامرة لا تسلم هنا أبدا”، موضحا أن “الآباء يكتفون بالموسيقى كهواية لأطفالهم وهذا لا يُؤتي أكله طبعا، إذ أن الموسيقى الكلاسيكية تتطلب العمل بصيغة احترافية منذ نعومة الأظافر”.

وبنبرة لا تخلو من أمل وثقة في غد أفضل لواقع الموسيقى في المغرب، عبر الأستاذ شباب عن تطلعه لمشروع تنموي ثقافي وفني وطني شريكه الإعلام، لاستقطاب المزيد من الشباب للإبداع الفني من خلال مبادرات فنية ترعاها المؤسسات الموسيقية وذوو الاختصاص للتنقيب عن مواهب تمثل العبقرية المغربية الغنية بتاريخها وتراثها اللامتناهي.

تعليقات

تارودانت بريس 24 جميع الحقوق محفوظة © 2021 Taroudantpress