إستمع إلى راديو الأخــبــار المـــغربــيــة

تارودانت بريس
أخبار ساخنة

المرتجي: السعي وراء المصالح الضيقة يجعل الجزائر "دولة بلا أمجاد"

هيئة التحرير
الصفحة الرئيسية

المرتجي: السعي وراء المصالح الضيقة يجعل الجزائر "دولة بلا أمجاد"

 المرتجي: السعي وراء المصالح الضيقة يجعل الجزائر "دولة بلا أمجاد"

قال الكاتب والباحث أنور المرتجي إن “كل الثورات التي انطلقت في العالم منذ عقد الخمسينيات كالثورة الصينية والفيتنامية والكوبية المتزامنة مع اندلاع الثورة الجزائرية، استطاعت جميعها أن تحقق الانتقال السلِس والناجح من وضع الثورة إلى بناء الدولة الحديثة، بينما نجد أن الثورة الجزائرية بقيت تمثل لحد الآن الاستثناء الوحيد الذي تعثر مساره في تحقيق أهدافه العليا على المستوى العالمي”.

وبعدما تطرق المرتجي، في مقال له بعنوان “الجزائر.. دولة بلا أمجاد”، إلى مجموعة من المحطات التاريخية التي عاشتها الجزائر، أكد أن “المغرب ركز بعد حصوله على الاستقلال على استكمال وحدته الوطنية التي أعطت القومية المغربية طابع تحرير وطنيا، في حين أن الجزائر كانت تعارض هذه الرغبة من منطلق المصالح الوطنية الضيقة”.

وورد ضمن المقال أن “نجاح الحراك الجزائري رهين بعنصرين متلازمين، هما مطلب الدولة المدنية ومبدأ التظاهر السلمي كفاتحة لعهد جديد، ولا خوف على الشعب الجزائري بأن يتعثر في مساره مادام الحَراك الجزائري قادرا على التصدي للمؤامرات التي تحاك ضد الشعب الجزائري من لدن ما يسميه الجزائريون بعودة “العصابة” المكونة من “العقداء” بنياشين عسكرية، يمثلون الطابور الخامس الذي تركته فرنسا لحماية مصالحها”.

هذا نص المقال:
إذا كانت كل الثورات التي انطلقت في العالم منذ عقد الخمسينيات كالثورة الصينية والفيتنامية والكوبية المتزامنة مع اندلاع الثورة الجزائرية استطاعت جميعها أن تحقق الانتقال السلِس والناجح من وضع الثورة إلى بناء الدولة الحديثة، نجد أن الثورة الجزائرية بقيت تمثل لحد الآن الاستثناء الوحيد الذي تعثر مساره في تحقيق أهدافه العليا على المستوى العالمي، كما تجدر الإشارة إلى أن فرصة الجزائر في الاعتماد على الذات والانعتاق نحو التحرر كانت، في حينه، أفضل من فُرص الثورة الكوبية والصين الشعبية بما هي بلد نفطي من جهة، ومن جهة أخرى لديها رقعة زراعية واسعة تفوق جغرافيتي بلجيكا وهولندا مجتمعتين، مختزِنة ثروات أخرى في باطن الأرض، إضافة إلى محيط عربي مستعد لاحتضانها كما في فترة المد القومي مع صعود الحركة الناصرية التي اصطدمت في أوج تألقها بهزيمة 1967. بالمقابل كان تسريع رحيل المستوطنين الفرنسيين بعد الاستقلال قد ترك للدولة الجزائرية أخصب الأراضي الزراعية على المستوى الإفريقي التي كانت تُستغل من لَدُن المُعمرين، وتَبِع ذلك قيام الدولة الجزائرية بتأميم النفط عام 1971 والتركيز على مجال الصناعة. وإذا كانت الصناعة النفطية هي صاحبة الحظ الأوفر، خاصة إثر ارتفاع أسعاره في فترة حرب 1973 مما زاد في مداخيل الدولة، وهذا جعل الجزائريين يعوِلون على العيش في بحبوحة، لكن هذه الأحلام الوردية ستتراجع بعد استقلال الجزائر، كما استشرفها المفكر الأنتيلي فرانز فانون في كتابه “معذبو الأرض”، خاصة “عند استعادته لهَوْل الهُوة والفرق بين النزعة القومية من جهة، والنزعات التحررية لجهة حركات التحرر الوطني الجزائري”. لكن قبل مجيء استقلال الجزائر بشهور معدودة، كان فرانز فانون لاجئا في تونس ويستعد للرحيل إلى الولايات المتحدة الأمريكية لزيارة الأطباء، بعد إصابته بمرض اللوكيما (سرطان الدم)، فسألته إحدى الصحفيات: “تُرى ماذا أنت فاعل لو أدركت استقلالَ الجزائر؟”، فأجابها بأنه سيختار الذهاب إلى بلد آخر للتضامن معه، ربما سيكون دولة جنوب إفريقيا من أجل مواجهة نظام الأبارتيد العنصري، (م، “حوار مع فرانز فانون”).

في نفس السياق طُرِح نفس السؤال على إدوارد سعيد، فكان رده مطابقا لجواب فرانز فانون “أشعر أن فانون لو عاش ليرى أول بضع سنوات من الاستقلال الجزائري، لكان وضعه غاية في التعقيد. أولا، أعتقد انه كان لن يستمر بالضرورة، ربما كان سينتقل إلى منطقة أخرى، والعديد من مناضلي جبهة التحرير الوطنية أصبحوا موظفين في نظام الدولة، الذي لم يولد في معظمه من طبقة المثقفين، التي تحافظ على مسافة نقدية، أحد الأمور المثيرة للقلق أكثر من غيرها فيما يخص التضامن وسهولة انزلاق المرء لخطاب السلطة، وهذا أمر لا مفر منه، وجاء فانون من طبقة مناضلين تحوِلوا فيما بعد إلى مدبري أمور سلطة الدولة وأدواتها” (إدوارد سعيد، “السلطة والسياسة والثقافة”، دار الآداب 2008 ).

إن هذه الرؤية “الاستشرافية” للمستقبل، التي قام بها فرانز فانون وإدوارد سعيد، تتجلى في توصيفهما للفِخاخ الاستعمارية التي كانت تعترض مصائر الثورة الجزائرية ومستقبلها. لقد راهنت فرنسا المُستعمِرة على ضرورة تهدئة فَوْرة وغليان الثورة الجزائرية بعد استقلال الجزائر عبر تحريف مسارها المُعادي لفرنسا، بصفتها الدولة المُحتلة للجزائر، في محاولة لفَرْمَلة وكبْح اندفاعاتها، من خلال ابتداع عدو أجنبي جديد بدل الاستعمار الفرنسي، وكان الفخ الذي نُصب للجزائريين يتمثل في اختلاق مسألة ترسيم الحدود بين الجارين المغرب والجزائر، كقنبلة موقوتة ستنفجر في مرحلة ما بعد استقلال الجزائر، وقد سبق لفرنسا سنة 1957 عندما كانت الجزائر لا تزال تخضع للاحتلال الفرنسي أن اقترحت على المغرب بدء مفاوضات لحل قضايا الحدود بين فرنسا والمغرب، بإرجاع المناطق الحدودية التي انتُزِعت من المغرب مثل تيندوف وكولمب بشار والقنادسة (الصحراء الشرقية) التي قَررت فرنسا سنة 1950 أن تضُمها إلى الأراضي الفرنسية التابعة لـ”الجزائر الفرنسية”، وفي أوج معارك الثورة الجزائرية ضد المحتل الفرنسي، اقترحت فرنسا على المغرب سنة 1953 إرجاع تلك المناطق المنتَزعة من قِبلها إلى المغرب، شريطة إيقاف الدعم المغربي للثورة الجزائرية، لكن الملك محمد الخامس رفض العرض الفرنسي، مؤكدا على أن مشكل الحدود سيُحل مع الأشقاء الجزائريين عند استقلال الجزائر، بعد أن كان قد وَقّع اتفاقا في الموضوع مع الرئيس الجزائري يوسف بن خدة باسم الحكومة الجزائرية المؤقتة، لكن بعد استقلال الجزائر ستنطلق حرب الرمال بسبب أزمة الحدود بين المغرب والجزائر عام 1963 لأن الجزائريين رفضوا كل مبادرة للتفاوض حتى مطلع بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي.

لقد كانت الثورة الجزائرية محظوظة عندما انخرط في صفوفها المفكر والفيلسوف الأنتيلي- المارتنيكي فرانز فانون، وحاز على الجنسية الجزائرية بعد تخليه عن الجنسية الفرنسية، كما قام بتقديم استقالته من كل المناصب التابعة للسلطة الفرنسية، وكطبيب نفساني أدرك مبكرا عذابات الشعوب المستعمَرة وأنذر مناضلي الثورة الجزائرية أن يتحلوا بالحذر من مواقف الطبقة البورجوازية الكمبرادورية الصاعدة، التي ستتَسلم السلطة بعد نهاية العهد الاستعماري، باعتبارها بورجوازية متخلفة، اعتقدت، لنرجسيتها وغرورها، أن في وُسعها أن تحل محل البرجوازية الاستعمارية وأن تكون أحسن منها، نتيجة لسيطرة وكلاء الكمبرادورية الوسيطية، حسب تعبير الرئيس قوامي نكروما، وهم أتباع ووسطاء يوهمهم الاستعمار بأنهم شركاء له وأنداد، يسميهم الشاعر والباحث تميم البرغوثي “عملاء الصفوة” المنتمين إلى “الوطنية الأليفة” التي تتجه بجشع كبير نحو الإثراء السريع، والدليل على ذلك أن بلدا مثل الجزائر يعتبر في المرتبة السابعة في احتياطي النفط والرابعة في إنتاج الغاز. كان دخلهم من الثروة في عهد حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، سنة 1999، حوالي 0001 مليار دولار تبخرت في رمشة عين، وهذه الميزانية كانت كافية لإقلاع الجزائر نحو التنمية الشاملة لو كان عندها وجود حقيقي للتخطيط الاقتصادي وتطبيق للحكامة الرشيدة على الثروة الوطنية من أجل القطع مع المبادلات الريعية، نتيجة لظهور فئات مُتحكِمة ذات نزوعات رأسمالية مركنتلية، من الوسطاء الذين يتحكمون في الاقتصاد الوطني الخاضع للريع وإملاءات سلطة العسكر.

إن رؤية فرانز فانون لمستقبل الجزائر كان يقتسمها مع صديقه مهندس الثورة الجزائرية، المناضل الكبير عبان رمضان، وقد قال الباحث لوتيرنر عن القائد الجزائري عبان رمضان إنه “أحد القادة القلائل في الجبهة الذين لم يُقَيِدهم انتماء وطني ضيق لا إلى الدين ولا إلى المنطقة” (نايجل سي غبسون “فانون.. المخيلة بعد- الكولونيالية”) وكان له دور محوري في علاقة فانون بالقيادة المثقفة الراديكالية، إذ أصبحت “جبهة التحرير” قبل انعقاد مؤتمر الصومام عاجزة عن تدبير كيفية الاستمرار في حرب التحرير ومفتقرة إلى خيارات إيديولوجية واضحة. لقد كان عبان رمضان واحدا من القادة القلائل في جبهة التحرير، الذين يشاطرون فرانز فانون الصورة الثورية للدولة الجزائرية في مرحلة ما بعد الاستقلال، التقيا عندما التحق فانون بعمله بمستشفى البليدة، وعمل على إيواء عبان رمضان، أحيانا داخل المستشفى بالبليدة، وكذلك في منزله رفقة بعض أفراد قيادات جبهة التحرير كيوسف بن خدة والعربي بن مهيدي وأحمد بنبلة. إن جزائر المستقبل، كما جاء في مؤتمر الصومام، “عليها أن تتعالى على الهُويات الشوفينية والقبَيْلِية واللغوية، وأن تعتمد على أسبقية المواطنة بدلا من الانحياز لأحد هذه الاختيارات، العروبي، أو الأمازيغي والإسلامي، اليهودي، المسيحي، أو العِرق الأسود أو الأبيض”.

كما أن عبان رمضان كان يعتبر مُحرك (معركة الجزائر) والعقل المدبر لمؤتمر الصومام، وُلد بتيزي وزو سنة 1920 وهو عضو اللجنة المركزية لجبهة التحرير، ثم قائد لولاية الشمال القسنطيني، اعتُقِل عام 1950 وأُطلِق سراحه عام 1956، كما ساهم في التحضير لمؤتمر الصومام وكان المقرِر الأول لـ”لجنة التنسيق والتنفيذ للمجلس الوطني للثورة الجزائرية”، وهو من مؤسسي اتحاد العمال الجزائريين، ومناضل قيادي في الحركة الطلابية الجزائرية، شارك مُكرها في مؤتمر القاهرة، حيث ستُحاك ضده مؤامرة من أجل اغتياله، وصفه الباحث الأمريكي وليام كوانت بأنه “وِفقا للكثيرين ممن عرفوه، فإن عبان رمضان كان حاسما من دون أن يكون سُلطويا، وقادرا على اكتساب احترام من هم حوله. وبالرغم أن عبان رمضان كان قبيليا فقد حظي بتقدير كبير لدى العرب، كما لدى القبايل (م، سي غبسون “فانون.. المخيلة بعد- الكولونيالية”). ويدعي العديد من أعضاء النخب بأنه ربما كان الجزائري الوحيد الذي يستطيع تجميع النخبة ما بعد الاستقلال، لكن ما كان يُؤخذ عليه أنه كان ينتمي إلى الجناح اليساري المتشدد داخل جبهة التحرير، ينتقد بصورة صريحة قادة الجبهة وبدون مواربة، ويغلب على نقده الطابع الإيديولوجي والفكري، وهذا مصدر خلافه مع بعض القادة العسكريين. لقد كان عبان رمضان ناجحا في تلبية حاجيات جبهة التحرير الوطني، إذ أصبحت الجبهة تفتقر إلى الوضوح الإيديولوجي، وكان عبان رمضان ناجحا في رسم معالم المرحلة المقبلة وإيجاد تنظيم سياسي للحركة الجماهيرية الصاعدة وتأكيد أولوية الحركة الاجتماعية على القضايا العسكرية. وكذلك، وهذا هو الأهم، استطاع بعد مؤتمر الصومام أن ينقل حرب التحرير من الأرياف إلى مدينة الجزائر العاصمة والمدن الكبرى، وإلى الصفحات الأولى في صحف العالم.

انعقد مؤتمر الصومام وسط الجزائر في 20 غشت 1957 في قرية واقعة بوادي الصومام شمال الجزائر العاصمة، تضامنا مع ضحايا الهجوم الأول على الشمال القسنطيني، وكان يصادف كذلك ذكرى نَفْي الملك المغربي محمد الخامس يوم 20 غشت 1953 إلى مدغشقر، “بصفته ممثل الفكر التقدمي الحر في المغرب”، كما جاء في تقرير رئيس “لجنة التنسيق والتنفيذ” لمؤتمر الصومام عبان رمضان. لكن بعد انتهاء أشغال المؤتمر الذي كان ناجحا في قراراته التنظيمية والسياسية بسبب قيادة ودهاء عبان رمضان، الذي ركز في تقرير برنامجه على تسريع دينامية جبهة التحرير وتنظيم الجناح العسكري عبر أسس تراتبية “تجعل العسكري يخضع للفاعل السياسي”، كما دعا المؤتمر كذلك إلى “تبعية تنظيم المناضلين الموجودين في الخارج للقيادة التي تعمل في الداخل”، ويعتبر القرار المتعلق بثنائية السياسي والعسكري، بمثابة خط أحمر لم يتقبله الجناح العسكري، لأنهم أحسوا بتراجعهم أمام فئة السياسيين. لذا سيُعاقَب القائد عبان رمضان باغتياله على هذا القرار التنظيمي، من قِبل الجناح العسكري الذي كان يتزعمه كريم بلقاسم، عن طريق استدراجه إلى المغرب، الذي كان يعتبر الحديقة الخلفية للمقاومة الجزائرية، لمقابلة الملك محمد الخامس من أجل التوصل بالمساعدة اللوجيستية للثورة الجزائرية، وكانت هذا الحيلة مجرد خديعة لاستدراجه ولنقله إلى المغرب، فتم اختطافه في ضواحي مدينة تطوان من قِبل الجناح العسكري المعروف بـ”الباءات الثلاث”، وهم كريم بلقاسم وعبد الحفيظ بوصوف وأحمد بنطوبال، وسيؤدي ذلك إلى قتَل عبان رمضان غدرا وشنقا من لدن أصدقائه سنة 1957، وسيصدرون، بعد مرور أسبوع على جريمة اغتياله النكراء بلاغا قمة في الغدر والنذالة، بجريدة “المجاهد” الجزائرية، التي كانت تصدر في نسختها بالفرنسية بمدينة تطوان المغربية، باسم قيادة جبهة التحرير الوطني، تنعي الشهيد عبان رمضان بالصيغة التالية “عبان رمضان سقط في ساحة الشرف”، وستبقى تصفيته الغادرة عالقة في ذاكرة صديق دربه فرانز فانون، الذي قال لسيمون دوبوفوار ذات يوم، في لقائهما الأخير بمدينة روما: “هناك ميتتان لن أغفرهما لنفسي، ميْتة عبان رمضان وباتريس لومومبا”.

لكن باغتيال عبان رمضان انتقلت الثورة الجزائرية إلى نظام الانقلاب العسكري المطلق، الذي يتلاءم مع نظام الحزب الواحد، وهو، كما يقول فرانز فانون، “الشكل الحديث للدكتاتورية البورجوازية التي لا تتقنع ولا تتزين ولا يزعها وازع ولا يرْدَعها حياء” (فرانز فانون، معذبو الأرض). ففي مؤتمر القاهرة سيستغل كريم بلقاسم الأزمة التي تعيشها الحكومة المؤقتة برئاسة فرحات عباس، ليؤسس حكومة “الظل العسكرية”، ويتزعم المعارضة ضد هواري بومدين لكن بعد فوات الأوان، وبذلك يترجم اغتيال عبان رمضان غلبة الجناح العسكري على الفريق السياسي المدني، وسطوة منطق القوة على قوة المنطق.

لكن بعد مرور 62 سنة على اغتيال عبان رمضان، عاد اسمه إلى الواجهة مع تظاهرات الحَراك الشعبي في الجزائر الذي انطلق في 22 فبراير2020 ، إذ رفع مئات الآلاف من الجزائريين صورته وهتفوا باسمه، وفي محاولتهم لإرجاع العسكر إلى ثكناتهم وبناء دولة مدنية، كتب متظاهرو الحَراك الشعبي الجزائري يافطة عريضة (اسمعوا، اسمعوا يا ناس، عبان رمضان ترك وصية، دولة مدنية ماشي عسكرية)، في إشارة منهم إلى دعوته في مؤتمر الصومام لإعطاء الأولوية للجانب السياسي على الجانب العسكري.

اشتهرت الثورة الجزائرية بأنها “الثورة التي تقتل/تأكل أبناءها” أو كما قال المناضل والمؤرخ الجزائري القدير محمد حربي، أحد أصدقاء المهدي بنبركة الذي ساهم بمعية عبد الله العروي في كتابة “الاختيار الثوري”، وأول من كتب عن تاريخ الثورة الجزائرية، التي وصفها “بأن الثورة الجزائرية هي حرب داخل حرب”، أي أنها ثورة أهلية داخل الثورة الجزائرية الكبرى المعادية للاستعمار. لقد تكاثرت عمليات الاغتيالات حتى قبل مجيء الاستقلال، حيث تحولت الثورة الجزائرية منذ جريمة اغتيال عبان رمضان إلى انقلاب عسكري مفتوح وجريمة مكتملة الأركان ودائمة في حق الشعب الجزائري، كما ستتم شرعنة الاختيار العسكري مع انقلاب هواري بومدين سنة 1965 ضد الرئيس الشرعي أحمد بنبلة، الذي سيُودع السجن بدون محاكمة لمدة خمسة عشر عاما، وسيفرج عنه في بداية عَقْد الثمانينيات بعفو رئاسي، وتوالت بعد ذلك سلسلة الاغتيالات في فترة استقلال الجزائر، كان أولهم محمد خيضر الذي يُعد من المناضلين السبعة الذين أطلقوا الشرارة الأولى لثورة الأول من نوفمبر، وكان مسؤولا عن “صندوق التضامن” في الثورة، لكن عندما انضم إلى المعارضة ضد الجناح العسكري الذي يقوده هواري بومدين، وقام بتنظيم صفوف المعارضة في أوروبا وبإعداد عملية الهروب الكبير من السجن للمعارض الحسين آيت احمد، تمت مطاردته في منفاه بإسبانيا، حيث اعترض طريقه مجموعة من المسلحين الذين أردَوه قتيلا في شوارع مدريد أمام مرأى ومسمع من زوجته سنة 1967 ودفن بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء بجانب المقاوم المغربي محمد الزرقطوني. وقد استمرت لعنة اغتيال عبان رمضان تطارد كل من قتلوه واحدا واحدا، من الذين كانوا سباقين في جناح العسكريين إلى تدشين جرائم الاغتيالات، ففي سنة 1970 تم العثور على كريم بلقاسم مخنوقا بنفس الطريقة التي اغتيل بها عبان رمضان، في غرفة بأحد الفنادق بمدينة فرانكفورت بألمانيا، بعد أن تحول إلى معارض لنظام هواري بومدين.

انفجرت الحرب “الأهلية الجزائرية” سنة 1988، وأُطلقت على الصراع المسلح بين الحكومة الجزائرية وفصائل متعددة وُصفت بأنها تتبنى أفكار “الإسلام السياسي”، منها “الجماعة الإسلامية للجهاد المسلح”. لقد بدأ الصراع المسلح سنة1991 بعد إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية لعام 1992 واستمرت أكثر من عَشر سنوات من النزاع، ذهب ضحيته أكثر من 100.000 شخص جزائري جلهم من المدنيين. وبعد أن اضطر نظام الرئيس الشاذلي بنجديد لإجراء بعض الإصلاحات السياسية وتنظيم انتخابات ديمقراطية فاز بها الإسلاميون بأغلبية ساحقة، سيقرر النظام العسكري الحاكم، المُكَوَن من مجموعة من “العُقداء” العسكريين، إبطال هذه الانتخابات وإجبار الرئيس بنجديد على التنحي وتقديم استقالته. ومن أجل ملء هذا الفراغ الدستوري القسري، سيتم استدعاء الرئيس محمد بوضياف، المعرف في أوساط الثورة الجزائرية باسمه الحركي السي “الطيب الوطني”، الذي كان لاجئا في المغرب، ويعتبر أحد القادة التاريخيين الستة، الذين فجروا ثورة نوفمبر، والذي بدوره سيتم استدراجه للمجيء إلى الجزائر واغتياله كذلك غيلة وغدرا في تجمع خطابي، مما يدل على أن الفاعل واحد في كل عمليات الاغتيال الغادرة، وقد تمت عملية الاغتيال لبوضياف على شاشات التلفزيون المحلية والعالمية من لدن حارسه الشخصي في شهر جوان 1992، وما زالت أسباب اغتياله مجهولة وبدون سبب مقنع، يتحمل مسؤوليته ما يسميه الجزائريون تكتل “العِصابة”. وفي الفترة الأخيرة من مطلع سنة 2022 بدأ القضاء السويسري في اجراء متابعة قضائية ضد الجنرال ووزير الدفاع الجزائري الأسبق خالد نزار، الذي أشرف على مجزرة الاسلاميين أو ما يعرف بالعشرية السوداء، بتهمة جرائم ضد الإنسانية.

لقد عرف مسار الوحدة المغاربية بعض الإرهاصات الأولية من خلال قيام بعض الوطنيين المغاربة بالدعوة إلى وحدة الأقطار المغاربية، خاصة أثناء فترة الكفاح الوطني المسلح ضد الاحتلال الفرنسي من أجل طرده من الأقطار المغاربية، من خلال الدعوة إلى توحيد الكفاح المسلح وتكوين جيش التحرير المغاربي بالموازاة مع توحيد النضال السياسي، وهو ما تُرجم على أرض الواقع في تجربة مكتب المغرب العربي و”لجنة تحرير المغرب العربي” بالقاهرة عام 1947، وكذلك الحال في لقاء مؤتمر طنجة سنة 1958، دون أن ننسى تجربة إنشاء “جيش تحرير المغرب العربي” في 1955. لقد كان إجماع الشعوب المغاربية على ضرورة بناء الوحدة المغاربية محسوما في الوقت الذي كان منتظرا فيه وضع قاطرة بناء المغرب العربي المستقل، وهكذا عبر المناضل المغاربي المهدي بنبركة في المؤتمر الثاني لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1962 عن امتعاضه وتبرمه من مسار الاندماج الوحدوي، بعد استقلال الدول المغاربية الثلاث، “إنه لا يجوز أن تبقى وحدة المغرب العربي مجرد شعار أجوف دون مدلول، بل يجب أن يعطى لهذا الشعار مضمونه الصحيح عن طريق توحيد المنظمات الجماهيرية وإقامة المؤسسات السياسية والإدارية المتوازنة” (م، المهدي بنبركة “الاختيار الثوري في المغرب”، ص 53 بيروت 1964). وعلى المستوى السياسي بدأت اللقاءات بين البلدين في 1970 بين الملك الحسن الثاني والرئيس هواري بومدين بمدينة تلمسان، والتي علقت عليها الجماهير المغاربية آمالا عريضة من أجل حل النزاعات والخلافات القائمة بين أقطار المغرب العربي، والعمل على تحقيق وحدة دول المغارب. وقد تم في هذا اللقاء الاتفاق على حل مشكل الحدود بين القُطرين وتأسيس شركة جزائرية – مغربية لاستثمار منجم الحديد بغار جبيلات، وطُرحت مشكلة الأراضي التي تحتلها اسبانيا، وأعقبها لقاء آخر، جمع الملك الحسن الثاني والرئيس الموريتاني مختار ولد دادة بمدينة أغادير المغربية سنة 1973، بهدف الاتفاق على الحدود ومشكلة الصحراء تحديدا، كما ظهرت دعوات مغاربية لتفعيل قضية الوحدة المغاربية عبر التعاون والتكامل الاقتصاديين، لأن الوحدة ضرورة اقتصادية، تفتح سوقا مكوَنة على الأقل من مائة مليون نسمة، تتعاون في الجهود على القضاء على التخلف. إن نزعة الانفراد بالقيادة في شمال غرب إفريقيا من العوامل التي جعلت القومية الجزائرية، على الرغم من حداثتها، تحاول إيجاد موطئ قدم لها بالمنطقة الأطلسية، وجعل هذه الاختلافات الحدودية تطفو فوق السطح على نحو جلي في النزاع حول الصحراء، بينما “نجد أن المغرب ركز بعد حصوله على الاستقلال على استكمال وحدته الوطنية التي أعطت للقومية المغربية طابع تحرير وطني، في حين أن الجزائر كانت تعارض هذه الرغبة من منطلق المصالح الوطنية الضيقة” (م، علي الشامي “الصحراء الغربية وعقدة التجزئة في المغرب العربي”).

لكن ما هي الأسباب التي حالت دون بناء اتحاد مغاربي بعد استقلال الجزائر، خاصة أن كل أسس ومقومات هذا الاتحاد كانت متوفرة، وما هي آفاق مشروع الاتحاد المغاربي الحالي في ظل ما تعيشه البلدان المغاربية من خلافات معقدة، خاصة بين المغرب والجزائر، عندما تُحْشَر فيها قضية الصحراء المغربية التي يدعي الجزائريون بأن المغرب يحاول “توريط” الجزائر في الصراع الدائر بينه وبين جبهة البوليزاريو، مع العلم أن مشروع الوحدة المغاربية لم ير النور حتى قبل ظهور هذه القطبية الشائكة التي زادت الطين بلة، وقضت على كل أمل في تحقيق مغرب موحد كبير. إن الخلاصة البادية للعيان أن زُمْرة العسكر في الجزائر لا يطيقون أن يجاورهم أو ينافسهم أحد، حتى ولو كانت الثورة الصينية أو الكوبية، لأنهم لا يحتملون المنافسة الشريفة وعلائق المساكنة الديمقراطية. لقد أصيبوا بعد حرب التحرير بعقدة الخواء “الاستعلائية”، وبأنهم فوق العالمين، وتنكروا للدعم الذي قدمه لهم جيرانهم نتيجة لنزوعهم التسلطي إلى الانفراد بزعامة المغرب العربي، سواء كان ذلك على مستوى دول الجوار المغاربية أو الإفريقية. لقد ورث عسكر الجزائر من الاستعمار الفرنسي نزوع “الرغبة في الهيمنة والتسلط” دون امتلاك القدرة على الفعل، عندما أغدق الاستعمار عليهم أراضي شاسعة كان يحتفظ بها لنفسه، انتزعها بالإكراه القسري من الحدود المغربية والتونسية، وقد تجلى هذا التغوُل الجزائري في إصراره على اعتماد خرائط الحدود في طبعتها الاستعمارية، وعرقلة التفاهم حولها في محاولة لتأبيد مدة الصراع حولها لفترة تفوق نصف قرن، لأن العسكر في الجزائر استطابوا الوضع استاتيكو الجامد، وأن تبقى قضية الوحدة الترابية بدون حل لإلهاء المغرب عن مشاريعه الإنمائية. لقد اعتمد الجيش الجزائري على حزب “جبهة التحرير الوطني”، الذي عمل على تأميمه لصالح العسكر الذين تحولوا بعد الاستقلال إلى فئة كمبرادورية تعيش على الريع النفطي، ومنذ إزاحة وتهميش الجناح السياسي في مؤتمر الصومام، وصعود الانقلابين العسكريين إلى سُدة الحكم بقيادة هواري بومدين، اكتشفنا كثرة افتعال المؤامرات الموجهة إلى الدول المجاورة للجزائر، نستحضر في هذا السياق الشهادة الصادقة حول النزوع التوسعي للعسكريين الحاكمين في الجزائر، الذين لم ينازعوا المغرب وحده في وحدته الترابية، بل مارسوا تنَمُرهم حتى مع الجارة التونسية وقاموا بالاستحواذ على الحدود الصحراوية التونسية، من خلال الشهادة الصادقة لوزير الخارجية التونسي الأسبق أحمد ونيس، الذي صرح في حوار بالقناة التونسية بأن “اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب كاملة على صحرائه يمثل مكسبا قويا للمملكة في الدفاع عن سيادتها وحقوقها المشروعة”، مؤكدا أن “النظام الجزائري هو الذي يتحمل مسؤولية إجهاض الحلم المغاربي”. ومن جهة أخرى، أكد أن “المملكة المغربية ليست هي من كسر الخيار المغاربي وإنما كسره أولئك الذين يلعبون بالنار، ومن أشهروا الحرب على المغرب وكذا على تونس”. وأضاف أن المغاربة ليسوا وحدهم ضحية النظام العسكري الجزائري، بل المنطقة المغاربية برُمتها، “فهذا النظام هو الذي أشهر الحرب على المغرب، بل حتى على تونس التي اقتطع مئات الكيلومترات من صحرائها، في تنكر تام للتضحيات بين البلدين الجارين في سبيل استعادة الجزائر سيادتها من الاستعمار”، مذكرا بأن العدوان الوحيد الذي تعرضت له تونس غداة استقلالها كان من جهة النظام الجزائري، في إشارة إلى الهجوم على “قفصة”، وقال: “في الوقت الذي لا تؤمن فيه تونس والمغرب بمنطق تحقيق الخريطة الاستعمارية بالمنطقة نجد أن الحكام الجزائريين يتشبثون بالخريطة كما وضعها الاستعمار”. وأعرب السيد ونيس عن اعتقاده بأنه لو أن النظام الجزائري اتخذ القرار الديمقراطي الصحيح، فإن فتح المسار في بناء المغرب الكبير كان سيتحقق بأن تكون الدول الثلاث، أي تونس والمغرب والجزائر، هي الرابح الأكبر. في هذا السياق، يجب أن نذكر كذلك شهادة الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، منقولة حسب رواية وزير الداخلية التونسي الأسبق الطاهر بلخوجة، الذي قال بالإسناد عن الحبيب بورقيبة إنه “كان يعتبر أن مشكل الصحراء الغربية قضية مصطنعة ويرجع ذلك إلى أن الجزائر كانت تسعى دائما إلى فرض وجود تلك الرقعة وتدعيمها ككيان”. لقد فضلنا ذكر وجهة نظر الدولة التونسية في علاقتها الموتورة مع النزوع التوسعي الجزائري ضدها، لأن هذه الشهادة القيِمة لا تترك للنظام العسكري في الجزائر فرصة أن يعلق مشجبه على الحق المغربي.

لكن ماذا يتبقى من الثورة الجزائرية؟ لقد انتقلت هذه الثورة بعد السطو عليها بالقوة من قِبل العسكر، عبر عملية سرقة موصوفة، من أجل إزاحة “الجناح المدني السياسي” وتهميشه في مؤتمر الصومام، ومنذ انقلاب الهواري بومدين انتهى عهد الثورة الجزائرية ودخلنا في متاهات الانقلابات العسكرية التي عرفتها الجزائر لمدة نصف قرن، ومازالت تنتقم من الروح الوطنية عند الشعب الجزائري، التي كانت تسكن ثورة الواحد من نوفمبر، من أجل إبطال هذا الالتباس الذي يمَوه به عسكر الجزائر مدخلات تدشين الجيش الجزائري لمسلسل الانقلابات، منذ أن بدأ الانقلاب الأول مع الرئيس الهواري بومدين على سلفه أحمد بنبلة الرئيس الشرعي، بعد أن امتهن العسكر حق تمثيل “الشرعية الثورية ” باسم المشاركة الميدانية في ثورة تحرير الجزائر، التي تحولت عند البعض مع مرور الزمن إلى “حق تجاري” يحتكره العسكر لوحدهم، ولا يختلف اثنان أن الجزائر منذ استقلالها سنة 1962 كانت ولا تزال تخضع لأولوية العسكري على المدني، وأن اختيار الرؤساء كان من صلاحيات المؤسسة العسكرية على الرغم من محاولات صَبْغِهِم بالصباغة الشعبية والمدنية من خلال تنظيم انتخابات مزيفة كانت نتائجها معروفة سلفا، كما حدث عام 1999 مع الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة.

لقد اعتمد الجيش الجزائري على حزب “جبهة التحرير الوطني”، الذي تكونت قاعدته السياسية في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة من الطبقة الكومبرادورية، التي صارت تمارس تدوير عملية السمسرة لبرجوازية طفيلية مرتزقة لا تنتج شيئا، ويعتمد أفرادها على العمولات التي تأتيها من الوكلاء الذين يعملون كوسطاء في خدمة الأجنبي. لقد اختارت الدولة الجزائرية العناد لكل نهج ديمقراطي بعد إفراغ حزب “جبهة التحرير الوطني” من كل توجه ثوري حقيقي، وصارت الجزائر عند كل منعطف سياسي تستحضر سردية الاحتماء بمكاسب “الشرعية الثورية ” لصالحها، وعملت على تأمين ماضي الثورة الجزائرية عن طريق شرعنة اختياراتها الاقتصادية، واحتكرت الحديث عن أمجادها التاريخية المتضخمة على حساب شهداء الثورة، كما استعملَت مشاركتها في حرب التحرير كتعِلة وذريعة ضد من ينازعها الشرعية الثورية عن طريق إلصاق نعت “التخوين” وتُهَم المؤامرة ضد كل من يتمرد عليها، وقد أدى النظر من خلال موقع ما بعد كولونيالي إلى هذه “السردية الثورية ” التي سادت تاريخ الجزائر منذ استقلاله، وتم اختلاقها بمثابة سردية شبه سرمدية، إبان مرحلة الاستعمار بدعوى محاربته وتصفيته، لكنها “انتقلت بعد جلائه إلى مضرة، ذلك أن تأبيد هذه السردية قد يجر معه كل أشكال الانغلاق والتعصب، لأنها غالبا ما تقدم للشعب المعني مع السلطة الحاكمة صورة مشوهة ومضخمة عن تاريخه وإنجازات ماضيه”، (م، كاظم جهاد “حصة الغريب”). وهذه الرؤية الملتبسة للسلطة الجزائرية تسعى إلى جعل رؤية الشعب متماهية إلى حد التطابق مع رؤية السلطة الحاكمة التي يمليها العسكر على الجميع، نتيجة لالتصاق الشعب الوجداني بثورته، مما وَلد عند الجزائريين ظاهرة مستفحلة حتى اليوم، يحكيها لنا منصف المرزوقي، رئيس تونس الأسبق، الذي فوجئ عند إلقائه محاضرات بالجامعة الجزائرية أن الطلبة كانوا يمتعضون من آرائه ولا يميزون بين نقده السلطة ونقد الشعب الجزائري ويخلطون بينهما، لأنهم مازالوا ضحية رواسب ثقافة الحزب الواحد الذي لا يقبل بالمعارضة والحق في الاختلاف.

لقد كشف الصراع بين جناحي العسكريين والمدنيين في مؤتمر الصومام أن العسكريين منذ انقلاب الرئيس هواري بومدين يغلب على قادتهم صفة “الأمية” الثورية، وأن مستوى قادتهم الدراسي جد متدن لا يتجاوز التلمذة في أقسام الشهادة الابتدائية أو الدراسة في “المسيد” القرآني، وهم لا يزالون يحكمون الجزائر منذ جماعة “العقداء” إلى الآن، قال في حقهم عبان رمضان عند مواجهته لهم في مؤتمر الصومام، إنه يجب “على الفكر أن يسبق السلاح وإلا فإن هذه الثورة ستعود علينا وعلى شعبنا بالوَبال”، بينما الاتجاه الآخر كان يتكون من الجناح المدني ومن ذوي مستوى التحصيل الدراسي العالي أمثال عبان رمضان (الرياضيات) ومحمد خيضر ويوسف بن خدة (صيدلي) وعبد الحميد مهري ومحمد لمين دباغين وعلي بومنجل المحامي وغيرهم.

ينتقد المفكر إدوارد سعيد “كل أشكال الحركات الانفصالية بدون استثناء، سواء كان عِرقيا أو قوميا أو دينيا، وكذلك لأن الحركات الانفصالية تحرم نفسها من فرصة الانضمام إلى نمط مجتمع إنساني شامل، تصبح قضيته الملحة جزءا من قضية الإنسان أينما وُجد وبغض النظر عن هويته العرقية أو الإقليمية أو الدينية” (مجمد شاهين إدوارد سعيد أسفار في عالم الثقافة 2007). إن نجاح الحَراك الجزائري رهين بعنصرين متلازمين، هما مطلب الدولة المدنية ومبدأ التظاهر السلمي كفاتحة لعهد جديد، ولا خوف على الشعب الجزائري بأن يتعثر في مساره مادام الحَراك الجزائري قادرا على التصدي للمؤامرات التي تحاك ضد الشعب الجزائري من لدن ما يسميه الجزائريون بعودة “العصابة” المكونة من “العقداء” بنياشين عسكرية، يمثلون الطابور الخامس الذي تركته فرنسا لحماية مصالحها، وهم الذين أُفرِج عنهم مؤخرا في إطار مؤامرتهم التي تستهدف القضاء على ما تبقى من الثورة الجزائرية المغدورة، عن طريق إعداد وطبخ عشرية جديدة سوداء ضد الشعب الجزائري الأعزل، والملاحظ أن الأحزاب الجزائرية التابعة للطغمة العسكرية والجماهير الجزائرية المخدوعة لطالما رددت بسذاجة مساندتها للحكام العسكر، وهم يرددون أمام الشعب المغربي “احنا خوة خوة “، ويعتقدون أنهم يمكرون ويخدعون المغاربة، ونحن نوضح أمامهم قول الحقيقة بأن تضامن الأخوة “خوة خوة” هو مجرد سراب، لأن ذلك لن يكون صادقا إلا إذا اقترن بقول الحقيقة وممارسة النقد مع التضامن، عندما لا ينحاز الى الحَراك الجزائري الذي يطالب بالدولة المدنية والسلمية، والذي قدم من أجلها مئات المناضلين في سجون دولة العسكر الفاشلة، لأن الطريق المستقيم بالنسبة للغيورين على مصير الوطن الجزائري أن ينحازوا إلى طريق الأمل ممثلا في طائر فينيق الحَراك الجزائري، الذي يخرج كل مرة أقوى من رماده، كما أنه قادر على تنظيم مستقبل المقاومة الذي كما قال إدوارد سعيد “تكمن فيما هو اجتماعي” وفي وحدة الشعب الجزائري على كلمة سواء، عبر الانخراط في جبهة مغاربية وحدوية تشمل المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا، بالرغم أن هذا الحلم قد يبدو مستحيلا في ظل حكم دولة العسكر، لكن جذوة حلم الاندماج المغاربي التي تأخذ قبَسها من ثورة نوفمبر المجيدة مازالت مشعة في أوساط الحراك الجزائري، أكثر من أي وقت مضى، لأن هذا المسعى هو المستقبل الوحيد الذي يؤهلنا لنستمر في الوجود، في عالم لم يعد يعترف إلا بالتكتلات الديموغرافية الكبرى، بهدف تحقيق أحلام روادنا المغاربيين الأوائل، الذين أسسوا لولادة الحلم المغاربي، حيث لنا “في موعد النصر متسع للجميع” كما يقول الشاعر الكبير إيمي سيزير مؤسس حركة الزنوجة الشعرية.
Taroudant 24 - جريدة تارودانت 24 الإخبارية
google-playkhamsatmostaqltradent