أخر الاخبار

هكذا يدير الملك السياسة الخارجية للمملكة (2)

هكذا يدير الملك السياسة الخارجية للمملكة (2)

 هكذا يدير الملك السياسة الخارجية للمملكة (2)

زينب مركز

يشكل الملك قلب النظام السياسي المغربي الذي تحتل فيه المؤسسة الملكية المكانة المحورية، سواء في العرف الديني بوصفه أمير المؤمنين الذي تربطه رابطة البيعة مع رعاياه، أو من خلال معمار النص الدستوري أو على صعيد الممارسة السياسية الواقعية. وتبقى السياسة الخارجية للبلاد، حقلا خاصا بالملك في ما يتعلق بتحديد خياراتها السياسية ورؤيتها الاستراتيجية، وقد أعطى المشرع الدستوري سلطة كبرى للملك، إلا أنها ليست مطلقة بل مقيدة ببعض الإجراءات التشريعية كما أوضح دستور 2011.

برغم التحولات التي عرفها النص الدستوري بوصفه عقدا اجتماعيا متجددا يستجيب للتحولات العالمية والمحلية، والذي منح فاعلين جددا أدوارا في تصريف السياسة الخارجية للمملكة، وعلى رأسهم رئيس الحكومة ووزير الخارجية والبرلمان الذي أصبح يصادق على بعض المعاهدات الخارجية ويمارس الرقابة على الحكومة في تدبيرها لملف السياسة الخارجية في دائرة اختصاصاتها، وبعض المؤسسات الاستشارية مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، وكذلك الأحزاب السياسية والمجتمع المدني في ما يعرف بالدبلوماسية الشعبية، غير أن جل السلط المهتمة برسم وتتبع الشأن الخارجي تعود إلى الملك.

في هذا الملف، اخترنا في “الأيام” أن نضع تصورين متقابلين للسياسة الخارجية بالمغرب ودور الملك بصفته فاعلا مركزيا في حقل السياسة الخارجية، من الحسن الثاني إلى محمد السادس. التصور الأول من وجهة نظر أجنبي والآخر لباحث مغربي. الأول عبارة عن كتاب موسوم بـ”السياسة الخارجية للمغرب” لمؤلفه الإسباني ميغيل هيرناندو دي لارامند الصادر في منتصف التسعينيات والذي قام بترجمته عبد العالي بروكي إلى اللغة العربية في سلسلة ضفاف عن منشورات “الزمن”. والثاني يتمثل في أطروحة دكتوراه الدولة لصاحبها راجي جواد الصادرة مؤخرا عن المركز الديمقراطي العربي بألمانيا في صيف هذه السنة.

رؤيتان مختلفتان في الزمان والمكان، وفي الرؤية لموضوع واحد هو كيفية تدبير الملك للسياسة الخارجية، تجعلنا مطالعتهما نقف على الثابت والمتحول في هذه السياسة ووظائفها الاستراتيجية والتنفيذية.

الجزء الثاني :

الباحث راجي جواد.. المؤسسة الملكية والسياسة الخارجية للمغرب هيمنة على الحقل الخارجي يكرسها دستور2011

تنبع الشؤون الخارجية للمغرب أساسا من المجال المحفوظ للملك، بشكل يحدّ من سلطة باقي الفاعلين ولا سيما السلطة التشريعية. ومع انتقال الحكم وإذا كانت هناك “إشارات” قد أبداها العاهل الجديد في اتجاه إشراك فاعلين إلى جانبه يساهمون في نسج السياسة الخارجية المغربية، خاصة في ظل نظام يسعى إلى استئناف مسلسل الصلح ومسار الانتقال الديمقراطي، فإن مؤشرات هذا الاشتراك لا تنفي أن الملكية حافظت على استمراريتها في ممارسة الملك شخصيا للسلطة القرارية فيرسم توجيهات استراتيجية خارجية، مستمدة مكانتها السامية المهيمنة وتأثيرها الحاسم من شرعيات متعددة، الشرعية الدينية والشرعية العرفية والشرعية الحديثة.

السلطات الواسعة التي يتمتع بها الملك في مسألة تدبير السياسة الخارجية، تندرج في إطار قالب دستوري يتمثل فيه الملك، باعتباره رئيسا للدولة على مستوى إعداد ورسم الخطوط العامة لمختلف السياسات العمومية وعلى رأسها السياسة الخارجية، فضلا عن ذلك إدارته لجل المؤسسات والمجالس العليا سواء تلك التي كانت موجودة من قبل أو تلك المحدثة مؤخرا.

في علاقة الملك بالبرلمان، فإن الملك له الحق في أن يطالب كلا من مجلسي البرلمان أن يقرأ قراءة جديدة كل مشروع قانون أو مقترح قانون ولا يمكن أن ترفض القراءة الجديدة، وله حق حل مجلسي البرلمان، وعليه فإن السلطة التي يملكها الملك على البرلمان تجعل من دور هذا الأخير في بلورة رأي وتصورات في مجال السياسة الخارجية ضعيفا.

أما على صعيد الحكومة فعلى الرغم من تعزيز صلاحيات رئيس الحكومة وتأهيل دور باقي الوزارات في مجال السياسة الخارجية، وعلى رأسها الشؤون الخارجية فإن أدوار هذه الأخيرة تبقى محدودة ومقننة، إما في إطار وضع السياسات العمومية أو إطلاع السلطات المعنية بكل المستجدات الدولية خصوصا وزارة الشؤون الخارجية، وما يبرر ذلك أن التوجهات العامة لسياسات الدولة تكون من صنع الخطب الملكية التي لها تأثير كبير في توجيه عمل الحكومة والبرلمان.

هذه الاختصاصات الواسعة التي تتمتع بها المؤسسة الملكية تجعل دور باقي الفاعلين في مجال السياسة الخارجية ضعيفا وثانويا وغير ذي أثر في توجهات وتصورات وتفاعلات السياسة الخارجية، نظرا لارتباطها بالمؤسسة الملكية من جهة، أو اعتبار أن القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية من الاختصاصات الحصرية للملك، وعلى رأس هؤلاء الفاعلين الأحزاب السياسية وهيئات ومنظمات المجتمع المدني.

فالمؤسسة الملكية أصبحت تشكل مركز الثقل في سلم توسيع الاختصاصات الدستورية وجاء الدستور الجديد لسنة 2011 ليعزز سلطات الملك التقليدية من خلال إعادة إنتاج تلك الصلاحيات في قالب دستوري جديد في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، وذلك في إطار تحول نسبي لكن هذا التحول يبقى في إطار سياق عام يتسم بالثبات والاستمرارية. وعلى الرغم من أن مجال الممارسة الدبلوماسية في مجال السياسة الخارجية قد حقق تقدما نسبيا على مستوى خضوع هذا المجال لمبدأ الدمقرطة ولمبدأ الشراكة الذي من خلاله يشارك العديد من الفاعلين في العملية التقريرية المتعلقة بالسياسة الخارجية، لكن ذلك يبقى مقابل اختصاصات واسعة لرئيس الدولة.

وعلى جانب آخر، أعاد دستور المملكة لسنة 2011 رسم التوجهات الاستراتيجية الكبرى في السياسة الخارجية، من حيث أنه حدد عدد المجالات التي تتفاعل في إطارها الدبلوماسية المغربية، وتعتبر هذه الخطوة تحولا استراتيجيا هاما في السياسة الخارجية المغربية، وهو الذي كان غائبا في ظل دستور 1996 بالرغم من أن الممارسة الدبلوماسية قبل دستور2011 أثبتت أن كل هذه الفضاءات التي حددها كانت حاضرة في السياسة الخارجية المغربية، الأمر الذي يشي بأن تحديدها يندرج في إطار استمرارية المملكة في التفاعل مع مختلف المجالات الدولية سواء كانت ذات بعد جهوي أو دولي، وتكريسها على مستوى البناء الدستوري.

صنع السياسة الخارجية إلى جانب الملك

عند الحديث عن أهم الفاعلين الجدد في السياسة الخارجية المغربية في ظل دستور 2011 نجد المؤسسة البرلمانية. فالدراسة المتبصرة للفصل 55 من الدستور، وباقي الفصول ذات الصلة تفيد أن البرلمان أصبح يضطلع بأدوار لم تكن معهودة إليه في الدساتير السابقة، مما أصبح معه هامش التحرك في هذا المجال أكبر من خلال الارتقاء بسلطة البرلمان في مجال الموافقة على المعاهدات الدولية ودعم الممارسة الدبلوماسية للبرلمان المغربي.

إن أسباب ضعف دور البرلمان في السياسة الخارجية يعد من بين الأسباب المرتبطة بالمؤسسة التشريعية نفسها، ويتعلق الأمر بظاهرة العقلنة البرلمانية التي قيدت إلى حد كبير من سلطات واختصاصات البرلمان سواء على مستوى التشريع أو المراقبة، وبين الأسباب المرتبطة بخصوص السياسة الخارجية التي تتميز أساسا بالسرية والسرعة في التنفيذ، فيما يتعلق بحدود التدخل البرلماني في مجال المعاهدات، وذلك من خلال التنصيص على أن البرلمان يوافق من حيث المبدأ على المعاهدات الدولية أما المصادقة فهي من اختصاص الملك، كذلك أن البرلمان لا يمكنه تعديل المعاهدات المحالة إليه ولا يحق له التصويت عليها كباقي مشاريع القوانين الأخرى، زيادة على ذلك يمكن للبرلمان أن يساهم في قضايا السياسة الخارجية من خلال الأسئلة الكتابية والشفاهية.

ففي عالم ما بعد الحرب الباردة، أصبحت صياغة القرارات الخارجية تكرس حتمية التداخل الواضح بين الديناميات الداخلية والخارجية، إلى حد أصبح من الصعب وضع حدود بارزة بين ما يندرج ضمن السياسة الداخلية وما يرتبط بالسياسة الخارجية للدولة، إذ أن تضافر العوامل الداخلية والخارجية يساهم في توجيه مسار السياسة الخارجية للدولة، ومعرفة المجال الذي تتحرك فيه التطورات الدولية التي تساعد صانعي القرار على إصدار المواقف التي تتكيف مع تلك التطورات.

الأساس الدستوري والعملي لسلطة الملك على السياسة الخارجية

لما كانت الاعتبارات الدستورية قد خصت أحقية تركيز الصلاحيات المتعلقة بالشؤون الخارجية بالمؤسسة الملكية، فإن المنطوق الدستوري، أكسب نشاط الملك أكبر قدر ممكن من الفعالية في السياسة الخارجية، وجعل سلطته في هذا المجال بعيدة عن النزاع أو الانقسام على صعيد الفرقاء السياسيين حكومة وبرلمانا.

يعتبر الفصل 41 و42 من الدستور نقطة البداية في إدراك أهمية هذه المؤسسة بالنسبة للنظام السياسي المغربي، باعتبارها المحور الذي تتحرك به، ومن حوله بقية المؤسسات الدستورية الأخرى. وبالرجوع إلى منطوقه فالملك يمارس بموجبه ثلاث مهام، وطنية وسياسية فالأولى مرتبطة بكونه أمير المؤمنين وحامي حمى الملة الدين، والثانية تبدو من خلال تحمله لمهام وتكاليف وطنية، فهو الساهر على استقلال البلد وحامي حمى المملكة في دائرة حدودها الحقة، أما الثالثة فمتمثلة في اعتبار الملك رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الملة وضامن دوام الدولة واستمرارها، والساهر على احترام الدستور.

لقد كرس الدستور الجديد قوة المؤسسة الملكية فبوأها مكانة سامية مهيمنة مما وفر لها سندا قويا لتدعيم حضورها الاستراتيجي في مختلف المجالات، وبناء عليه تكون مبدئيا واقفة وراء كل المبادرات ذات الطابع السياسي والاستراتيجي. منفردة بصياغة وبلورة القرارات التي تهم القضايا السياسية والمصيرية المرتبطة بالمصلحة العليا للدولة، أو التي لها مساس مباشر بأمن واستقرار الدولة المغربية، ويدخل في هذا الإطار رسم السياسة الخارجية وتحديد خياراتها.

يقول الفصل 55: «يعتمد الملك السفراء لدى الدول الأجنبية والمنظمات الدولية، ولديه يُعتمد السفراء وممثلو المنظمات الدولية. ويوقع الملك على المعاهدات ويصادق عليها، غير أنه لا يصادق على معاهدات السلم أو الاتحاد، أو التي تهم رسم الحدود، ومعاهدات التجارة، أو تلك التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة، أو يستلزم تطبيقها اتخاذ تدابير تشريعية، أو تتعلق بحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، العامة أو الخاصة، إلا بعد الموافقة عليها بالقانون». و»للملك أن يعرض على البرلمان كل معاهدة أو اتفاقية أخرى قبل المصادقة عليها. إذا صرحت المحكمة الدستورية، إثر إحالة الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو سدس أعضاء المجلس الأول، أو ربع أعضاء المجلس الثاني، أن التزاما دوليا يتضمن بندا يخالف الدستور».

بالرجوع إلى هذه المقتضيات يمكن الاستنتاج، أن الملك في المغرب يعد المسير الوحيد للسياسة الخارجية المغربية، فإلى جانب صلاحياته في اعتماد السفراء والحرية الكاملة في اختيارهم وفق المعايير المعتمدة لديه، فإنه احتفظ بموجب هذا الفصل باختصاصات واسعة في مسطرة إبرام المعاهدات الدولية، فشخصه يجمع بين صلاحيات التوقيع والمصادقة على المعاهدات باستثناء تلك التي تلزم مالية الدولة، ولكن واقع الحال، أن الملك نادرا ما يوقع على المعاهدات. مما يعني أن التوقيع على المعاهدات الدولية للمغرب يمكن أن يقوم به أشخاص يتلقون تفويضا بذلك، كرئيس الحكومة والسلطات الوزارية الأخرى وخاصة وزير الخارجية، كما يمكن لهذا الأخير أن يمنح وثائق التفويض لمن يعهد إليه بالتوقيع على المعاهدة.

فالتوقيع على المعاهدات يمكن أن يكون مدخلا للتفويض على عكس التصديق، لأن التفويض في هذه الحالة الأخيرة يعني تنازل الملك عن سلطة أناطه بها الدستور لوحده، كما يعتمد الملك السفراء لدى الدول الأجنبية والمنظمات الدولية، ولديه يعتمد السفراء الأجانب وممثلو المنظمات الدولية، وبالرغم من أن منطوق المادة 249 من دستور 2011 ينص على أن المجلس الوزاري يتداول في التعيين باقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني في الوظائف المدنية، إلا أن ترؤس الملك المجلس الوزاري يعني أن الملك من يستأثر بتحديد الاختيارات الاستراتيجية لسياسة الدولة، وله فقط يعود القرار النهائي في تدبير قضايا السياسة الخارجية التي تكون محل مداولة في المجلس الوزاري.

الدور المحوري للمؤسسة الملكية في صنع السياسة الخارجية

من بين المميزات التي استقرت عليها السياسة الخارجية المغربية هي المكانة المحورية التي كانت وما زالت تحتلها المؤسسة الملكية، والدور المنوط بها على واجهات الفعل الخارجي. فالطابع المركزي لسلطة اتخاذ القرار والحضور الدائم، والتواجد القوي في مختلف دوائر ودواليب الشأن الخارجي، ودبلوماسيا لا يمليه المنطوق والدستور بل يستحضره، كذلك النسق العقدي للدولة المغربية والذي يمزج بين الدين والتاريخ الذي يجعل المؤسسة الملكية لا تدخل ضمن تصنيف السلط الموجودة في التقليد الدستوري الغربي من تنفيذية وتشريعية وقضائية، بل هي تعد هذه العناصر مجتمعة مضافا إليها مضمون ديني.

وعلى شاكلة عدد من الأنظمة التي يعتبر فيها قطاع السياسة الخارجية مجالا سياديا لرئيس الدولة، فإن الملك في النظام الدستوري المغربي يحتل موقعا مركزيا ليس فقط كفاعل في السياسة الخارجية، بل محدد لها وهو ما تكرسه المقتضيات الدستورية والواقعية. فالحديث عن اختصاصات الملك في مجال السياسة الخارجية من طبيعة فوق دستورية، مستندا على تقاليد مخزنية تكرس مركزة السلطان كممثل وحيد للأمة أمام الدولة الأجنبية وتميزه عن سائر الفرقاء السياسيين ليتبوأ مكانة القطب الذي يدور حولها الكل.

إن عملية انتقال المُلك للعاهل محمد السادس بتاريخ 23 يوليوز 1999 حتى وإن كانت تأسيسا لمرحلة جديدة ولملك جديد يتماشى ويتناغم مع المرحلة الحالية والمقبلة، نظرا لارتباط هذا الانتقال بمرحلة تاريخية دقيقة ومتغيرات دولية عميقة وجد مؤثرة. عملية انتقال شكلت ترسيخا للنظام القائم واستمرارا للمؤسسة الملكية وامتدادا وراثيا للسلطة التي يمثلها ويرمز لها شخص الملك التي تمت تربيته وتكوينه للاضطلاع بهذه المهمة، وضمانا لاستمرارية النظام. حقيقة أكدها العهد الجديد في أول خطاب للعرش عندما طرح نفسه في معرض الاستمرارية سواء من خلال المحافظة على البنيات القائمة وأشكال الحكم المصاغة. أو من حيث التأكيد على شرعية المؤسسة الملكية، القائمة على البيعة وإمارة المؤمنين. وهو ما يعني تقليص أثر القانون الوضعي على شرعية النظام، وجعله سندا إضافيا لتأكيد الأحقية التاريخية في التسيير والتدبير، بحيث لا يسمح للفاعلين السياسيين في السياسة الخارجية المغربية – رئيس الحكومة ووزير الخارجية – ولوج الحقل السياسي إلا بعد أن يصرحوا بقبولهم الامتثال لقواعد اللعبة السياسية.

ويعتبر توجيه الملك إلى الشعب بدون وسائط بينهما أهم تجليات هذا العقد ومندرجا جوهريا يبني عليه حقل إمارة المؤمنين، التي تؤسس لنوع من المركزية في السلطة الملكية وتؤدي إلى خلق سلطة شاملة على الفضاء السياسي للأمة المغربية. وهذا كان واضحا في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، حيث كان يطلع الأمة من خلال خطب المناسبات الوطنية على القرارات والمبادرات ونتائجها في مجال السياسة الخارجية. وتجدر الإشارة هنا إلى خطاب 20 غشت 1984 لما شرح أسباب قيام معاهدة الاتحاد العربي الإفريقي، وخطابه المؤرخ في يوليوز 1986 لما توجه إلى الشعب مباشرة بعد زيارة «شمعون بيريز» ليوضح دوافع وأهداف استقباله في إفران. نفس النهج، يسير عليه خلفه الملك محمد السادس، الذي أطلع شعبه على المبادرة الملكية المتعلقة بالحكم الذاتي في خطابه بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء المؤرخ بتاريخ 6 نونبر 2005 وبالتالي «فحوار» الملك مع الشعب عبر الخطب لشرح تداعيات قرار خارجي معين بعد الحسم النهائي فيه بما يصطلح عليه «بالاستمارة البعدية» تشكل تجليا من تجليات البيعة التي تربط الملك والشعب وتحصر مهمة رئيس الحكومة ووزير الخارجية في التنفيذ، فليس مطلوبا من كليهما أن يشرحا للرأي العالم السياسة المرسومة، لأنه مجال خاص بالمؤسسة الملكية.

تقييد اختصاصات الملك في مجال المعاهدات الدولية

إذا كان دستور 1996، وفقا للفصل 31 منه قيد تصديق الملك على المعاهدات التي ترتب تكاليف تلزم مالية الدولة إلا بعد الموافقة عليها بقانون، فيظهر أن الدستور الجديد وفقا لمقتضيات الفقرة 2 من المادة 55 منه قد وسع من نطاق هذه الحدود لتشمل: المعاهدات التي تتضمن مقتضيات السلم أو الاتحاد، المعاهدات التي تتضمن مقتضيات رسم الحدود، المعاهدات التي تتضمن مقتضيات التجارة، المعاهدات التي تلزم مالية الدولة، المعاهدات التي تتضمن تطبيقها اتخاذ تدابير تشريعية، المعاهدات التي تتضمن مقتضيات تتعلق بحقوق وحريات المواطنين والمواطنات العامة أو الخاصة، المعاهدات التي لا ينطوي مضمونها على أي من هذه المقتضيات، المعاهدات التي تتضمن مقتضياتها ما يخالف الدستور.

وقد أعطى المشرع الدستوري سلطة المصادقة على جميع هذه الأنواع للملك، إلا أنها ليست بتلك السلطة المطلقة بل مقيدة ببعض الإجراءات التشريعية.

دور رئيس الحكومة في السياسة الخارجية

يسمح التدقيق في مقتضيات دستور 2011 ذات الصلة بالمجال التنفيذي بملاحظة أن هذا الميدان يعرف تداخلا وتدافعا بين سلطات رئيس الدولة وسلطات رئيس الحكومة، بالرغم من أن رئيس الحكومة يعد من الناحية الدستورية المسؤول الأول عن تدبير الشأن العام أمام البرلمان والشعب، ويفترض أن تكون مبدئيا صلاحياته في مجال سلطة تنفيذية واسعة بالقدر الذي يمكنه من إدارة الشأن العام تماشيا مع مقتضيات برنامجه الحكومي، على أن الواقع يؤكد أن سلطاته في المجال التنفيذي تبقى رهينة بسلطة رئيس الدولة، وبالتالي فسلطة رئيس الحكومة هي سلطة الضبط ومراقبة العمل الحكومي. فرئيس الحكومة لا يتمتع بحق توقيع المعاهدات ويقتصر فقط على تنفيذ الإرادة الملكية واختصاصاته تبقى محدودة في هذا المجال.

ينص الفصل 88 على أنه بعد تعيين الملك لرئيس الحكومة يجب على هذا الأخير عرض برنامجه الحكومي على أنظار البرلمان ويجب أن يتضمن الخطوط الرئيسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية التي تنوي الحكومة تطبيقها. إلى جانب هذه الاختصاصات المخولة لرئيس الحكومة، نجد الفصل 92 من الدستور قد خص مجلس الحكومة بالتداول في كل من السياسة العامة للدولة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية قبل عرضها على المجلس الوزاري، وحصر المشرع الأمر فقط في التداول دون اتخاذ قرارات مهمة واقعية وذات أثر، إضافة إلى أن الفصلين 48 و 54 من الدستور يشيران إلى أنه بإمكانه رئاسة المجلس الوزاري والمجلس الأعلى للأمن بعد تفويض ملكي وجدول أعمال محددة، وهو ما يفيد أن رئيس الحكومة قد يتداول في المسائل المنصوص عليها في الفصل 48 و 54 من الدستور، دون اتخاذ أي قرارات ملزمة لأنه مرتبط بالمؤسسة الملكية.

على الرغم من أن مجلس الحكومة عهد إليه النص الدستوري بسلطة القرار في مجموعة من القضايا التي كانت إلى وقت قريب من اختصاص المجلس الوزاري. إلا أن التساؤل المطروح حول عدم التنصيص بشكل مفصل ودقيق على اختصاصات رئيس الحكومة في ميدان السياسة الخارجية، يجعله في منأى عن ممارسة العلاقات الدولية للبلد، وتبقى السلطة الفعلية في المجال الخارجي بيد الملك رغم أن السلطات الوزارية قد تتدخل في بعض الأحيان للمساهمة في رسم السياسة الدولية للمغرب في المجالات المسموح فيها بالتفويض.

مساهمة رئيس الحكومة في مجال السياسة الخارجية تكون بتفويض الملك لبعض سلطته المتعلقة بالمجال الخارجي، كإجراء المفاوضات أو توقيع المعاهدات أو تمثيل المغرب في المنظمات الدولية واللقاءات والاجتماعات، ويساهم رئيس الحكومة وفق دستور 2011 إلى جانب الملك في تعيين السفراء عن طريق التوقيع بالعطف على ظهير التعيين، أضف إلى ذلك تنفيذ القرارات الملكية الموجهة إليه والعمل على تنفيذ البرنامج الحكومي ومسؤوليته في تتبع تنفيذ القوانين.

الحكومة وممارسة السياسة الخارجية

رغم أن الملك بيده السلطة الفعلية سواء في ما يتعلق بتمثيل الدولة المغربية في المجال الدولي أو بإبرام المعاهدات، فإن السلطة الحكومية قد تتدخل في بعض الأحيان لتساهم في تكوين الريادة الدولية للمغرب، ذلك في المجالات التي تسمح بالتفويض كإجراء المفاوضات باسم المغرب والتوقيع على المعاهدات، وتمثيل المغرب في المؤتمرات الدولية الحكومية ولقاءات القمة المتعددة الأطراف واجتماعات المنظمات الدولية التي تعقد على مستوى ملوك ورؤساء الدول.

هذه السلطة الحكومية في النظام الدستوري المغربي تأثرت بالمكانة المحورية للمؤسسة الملكية مما جعل «حكومة صاحب الجلالة» تابعة له غير مستقلة عنه، وتظهر هذه التبعية إثر وجودها وفي ممارستها لمهامها وفي انتهاء عملها، وبالتالي يمكن القول إن الحكومة في النظام الدستوري المغربي هي جهاز تنفيذي مكلف بتطبيق السياسة الخارجية وترجمتها يوميا على أرض الواقع وفقا للتوجيهات المحددة سلفا من طرف الملك في مجال السياسة الخارجية.

لكن بالرجوع إلى المقتضيات الدستورية الحالية، يتبين أن الحكومة ليست مجرد جهاز تنفيذي بل هي موجودة لتنفيذ البرنامج الذي وضعته وعلى ضوئه منحها البرلمان الثقة، وما يبرر ذلك أن دستور المملكة لسنة 2011 عمل على دسترة مجلس الحكومة وجعله هيئة تحت سلطة رئيسها تتداول في السياسة العامة للدولة ومن بينها موضوع السياسة الخارجية، ومن هذا المنطلق فإن مجال السياسة الخارجية عرف انتشارا واسعا بفعل تنوع القضايا الدولية وتأثيرها على المحيط الداخلي مما جعل أغلب الوزارات تهتم بشكل أو بآخر بهذا المجال كما هو الشأن بالنسبة لملفات الصيد البحري والاستثمارات والقروض.

الجزء الأول:الإسباني ميغيل هيرناندو يرسم تحولات السياسة الخارجية للمغرب

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-