أخر الاخبار

مسارات مغاربة في اسكندنافيا .. محمد الحليمي يدقق في استخراج المحروقات

مسارات مغاربة في اسكندنافيا .. محمد الحليمي يدقق في استخراج المحروقات

 مسارات مغاربة في اسكندنافيا .. محمد الحليمي يدقق في استخراج المحروقات

انتقل محمد الحليمي صغيرا من منطقة الريف المغربية إلى العيش على الأراضي الدنماركية، مسايرا طموحات أسرته في البحث عن آفاق اجتماعية فسيحة لجميع أفرادها، وملازما الجدية في التحصيل العلمي حتى الحصول على دبلوم في الهندسة الطاقية في منتصف العقد الثالث من حياته.

وحرص الحليمي، خلال مساره المهني، على مراكمة التجارب التي تتيح له التطور باستمرار، سواء على مستوى الدنمارك أو على الصعيد الدولي، مركزا على المزج بين العمل في ميدان الوقود الأحفوري والانفتاح على الرهانات المرتبطة بـ”الطاقة الخضراء”؛ وصولا إلى كونه من أبرز الوجوه المشرفة حاليا على أوراش استخراج المحروقات من الفضاءات البحرية للمملكة الدنماركية.

التشجيع على الدراسة

ازداد محمد الحليمي سنة 1976 في ابن الطيب، التي كانت حينها منتمية إلى النفوذ الترابي لإقليم الناظور، قبل أن تصير ضمن حيز إقليم الدريوش؛ وفي أحضان هذه المنطقة الريفية التي تشهد تواجد قبيلة “بني وليشك” عاش 3 سنوات ونصف السنة قبل أن يرحل صغيرا، بمعية أسرته، نحو الدنمارك.

ويقول محمد: “كانت الهجرة خيارا للأب، ونتيجة لبحثه عن فرص أفضل لجميع أفراد أسرته، وقد ارتأى التوجه إلى الدنمارك من أجل العمل دون التفريط في تحفيزي على الإقبال بجدية على التعلم والتحصيل، ودأبت توصياته على إبقائي مركزا على الدراسة دون كلل أو ملل”.

كما يذكر الحليمي، بخصوص هذه المرحلة من حياته، أنه لم يكن خلال سنوات عمره الأولى، وجميع أسرته، يتواصلون إلا بأمازيغية منطقة الريف، وبعدها حضر إتقان الدنماركية من خلال الاحتكاك بالمجتمع، بينما ضبط الكلام بالعربية والدراجة المغربية لم يتحقق له إلا من خلال دروس تهتم بحفظ القرآن الكريم عقب انتهاء دوامه المدرسي.

قوة الاجتهادات

يؤكد محمد الحليمي أن محاولات اندماجه في البيئة الدنماركية لم تتم بمحيد عن بعض الممارسة العنصرية التي تستهدف أصله الأجنبي، لكنه يصر على أن مثل هذه الممارسات، وإن كانت متفرقة على مدى الزمن في إفراز بعض الصدامات، تبقى سهلة التجاوز إذا بقي المستهدف بها مركزا على أهدافه ولا يقبل الاشتباك مع المستفزين كلما أرادوا ذلك.

ويزيد المولود في “ابن الطيب”: “كيفما كان مجتمع استقرار المهاجر يبقى ذو الأصل الأجنبي مطالبا بإفراز قيمة مضافة أكثر من الساكنة الأصلية، واليقين أن الاحترام التام يحضر حين يقبل المعني بالأمر على إبراز اجتهاد أكبر ونجاحات أوفر، حينها يخرس الأفواه المنتقدة ويفتح الأبواب الموصدة”.

ويستند الحليمي إلى التجربة الخاصة به ليعلن، بخصوص بعض الممارسات التي طالته في الدنمارك، أن محاولات الحصول على فرص اشتغال تعرف بعض الميز لصالح الدنماركيين على حساب المنحدرين من بلدان أخرى، إذ إن تساوي مضامين ملفات الترشيح يعني تمرير أصحاب الأرض بشكل أوتوماتيكي، على سبيل المثال لا الحصر؛ ولذلك حرص على تعزيز سيرته الذاتية بسنة تكوين في لندن و6 شهور من الدراسة في ماليزيا.

التخصص في الطاقة

بالوصول إلى المرحلة الثانوية، اختار محمد الحليمي الحصول على شهادة الباكلوريا في الشعبة العلمية، آملا أن يقوده ذلك إلى التخصص ضمن أحد مجالات الهندسة في المرحلة اللاحقة، وبالوصول إلى التعليم العالي ارتأى الإقبال على دراسة الطاقة.

“حضر الميل إلى الطاقة عند بلوغ طور الدراسة الجامعية، مع محاولة التمهيد لشق المسار بالتسجيل في تكوين ينتهي بنيل شهادة ‘ماستر’ في ظرف زمني متوسط مدته 5 مواسم متتالية، ومع توالي السنوات انتبهت إلى شغفي بالشق الاقتصادي في التعامل مع إنتاج الطاقة الخضراء على وجه التحديد”، يقول محمد.

وبالموازاة مع سير التكوين الأكاديمي، عمل محمد الحليمي على استجماع قدرات إضافية من خلال تتبع المستجدات الدولية ذات الصلة بالرهانات الطاقية كلها، خصوصا التطورات المنكبة على تطويق المحروقات بصيغ جديدة تستمد الطاقة من مصادر بديلة؛ وبذلك وسع مداركه لتصل إلى مرحلة الانفتاح على تجارب أوروبية ودولية متنوعة.

الخطوات المهنية الأولى

استهل محمد الحليمي مساره المهني بالعمل لحساب شركات دولية للمحروقات ضمن تدخلاتها في مجموعة من الدول الأوروبية، أبرزها بولندا ولاتفيا وليتوانيا، ثم مراقبة أوراش للتنقيب عن المحروقات في مناطق مختلفة؛ لكنه بقي منفتحا على قبول عروض عمل أخرى قادرة على مسايرة أهدافه المستقبلية الرامية إلى التطور.

بعدها قبل المنتمي إلى شريحة “مغاربة اسكندنافيا” عرضا من مسؤول في وزارة الطاقة الدنماركية للتعامل مع مشاكل يعرفها البلد في التعامل مع الأشغال الجارية لاستخراج الغاز والبترول، ولم يتردد في اغتنام الفرصة التي تم بناؤها على أساس الاستفادة من خبراته النظرية والعملية في هذا المجال.

ويقول الحليمي إن سبب إقباله على هذا الأداء يرتبط، أساسا، بكونه ينصب على معاملات مملكة الدنمارك مع بلدان مجاورة في القضايا الطاقية، ما يعد فرصة مواتية لاستثمار إلمامه بمثل هذه الملفات العابرة للحدود، ومناسبة لتطوير مهاراته ذات الصلة بحقول المحروقات المتواجدة في المجالات البحرية على وجه الخصوص.

بذل وظيفي

يرتبط محمد الحليمي حاليا باشتغالات منوطة بالوكالة الدنماركية للطاقة، تحت لواء وزارة الطاقة الدنماركية بمختلف مسمياتها التي أملتها التغيرات السياسية المتلاحقة والبنيات الحكومية المتنوعة، إذ انطلقت هذه التجربة في السنة الثالثة من الألفية الجارية، ومازالت تتطور على مراحل متعاقبة حتى الوقت الحالي.

ويقول المتأصل من منطقة الريف المغربية: “صلاحياتي المهنية تجعلني مسؤولا عن فريق عمل مكلف بدراسة الملفات التي تتقدم بها الشركات من أجل الحصول على تراخيص لاستخراج الغز والبترول في المجال البحري الدنماركي، إذ تتم دراستها على مراحل، من لدن خبراء في تخصصات عديدة، قبل أن أتولى الحسم في كل ملف على حدة بالقرار المناسب”.

كما يرتبط محمد، ضمن موقعه المهني الحالي، بالإشراف على عمليات مراقبة للوقوف على مدى امتثال شركات المحروقات المرخص لها بما يقتضيه العمل من احترام للشروط والمعايير المطلوبة، والاطلاع على كيفيات تسيير المنصات البحرية من أجل احترام حقوق الشغيلة والامتثال للممارسات التي تحمي البيئة من أي مخاطر محدقة بها.

تنسيقات دولية

يتولى الدنماركي ذو الأصل المغربي نفسه، أيضا، مهمة تمثيل كوبنهاغن في تنظيم إقليمي يضم أيضا النرويج وإنجلترا واسكتلندا وهولندا وألمانيا وكندا، ويتولى بالدراسة والتحليل كل المتغيرات التي تعرفها المنطقة بارتباط مع الاشتغال في استخراج الوقود الأحفوري بمختلف أشكاله وأنواعه.

ويذكر محمد الحليمي أن هذه المهمة تجعل التزاماته المهنية تصل إلى مستوى التدقيق في المشاكل المرصودة بالمياه الإقليمية والدولية للوصول إلى صياغة حلول ملائمة، دون إغفال القيام بما يتيح استشراف ما يمكن أن يقع مستقبلا من عثرات، وبالتالي إرساء دعائم عملية للتعامل مع ذلك عند وقوعه.

“هذا الأداء الدولي يشدني إليه كثيرا، خاصة أن النقاشات المفتوحة دوما مع الشركات العالمية الكبرى في ميدان المحروقات، وهي العاملة بوتيرة عالية في اسكندنافيا وجوارها، تتيح التعرف على سير الأداء من منظور مختلف، وتحفز على القيام بالأبحاث الرامية إلى تجويد العطاءات باستمرار”، يورد محمد الحليمي.

رد الدين

يرى من وصل إلى منتصف العقد الخامس من الاستقرار في الدنمارك أن الطموحات تتغير باستمرار مع التقدم في الحياة واستجماع التجارب، وأن المحدد الرئيس لها لا يرتبط سوى بكم وحجم الفرص المتاحة، ويشدد على أن المتغيرات المرحلية واليومية تجعل الناس يعدلون مساراتهم حتى تصل إلى مواقع قد لا تكون بارزة في فترات سابقة.

ويفسر محمد الحليمي قائلا: “حين كنت أصغر سنا أردت الالتحاق بشركات بترولية كبرى معروفة في الدنمارك واسكندنافيا، وبعد تأسيس أسرة والشروع في الإشراف على تنشئة أطفال صرت أبحث عن مراكز أكثر استقرارا كي أكسب وقتا أوفر للالتزامات الشخصية”.

“كنت قد توصلت بعرض ممتاز من إحدى الشركات البترولية الكبرى، لكنني لم أمتلك غير الإجابة بالرفض حتى لا أحرم من التواجد مع أسرتي”، يورد الحليمي قبل أن يزيد: “أقوم بتوفير الرعاية الأبوية نفسها التي استفدت منها؛ إذ أعمل على توجيه أبنائي نحو الطريق المناسب لمنحهم الشجاعة ولشحذ هممهم”.

عين على الغد

ينتمي محمد الحليمي إلى وكالة طاقية حكومية لها تصور واضح بشأن المستقبل، إذ تجعله من بين المرشحين لإدارتها على المدى المتوسط، وتحاول تمهيده لهذه المهمة وفق مخطط يسير بتدرج على امتداد سنوات؛ بينما يساير هذه الفرضية المهنية قبل اتخاذه القرار الحاسم ضمن اللحظة الملائمة.

ويعلق محمد على ذلك بقوله: “آمل أن تكون ظروفي مواتية للقيام بهذا العمل الهام مستقبلا، لكني حاليا أركز على المطلوب مني. لكن الأهم حاليا أن عملي يرضيني لتأرجحه بين الأداء المكتبي العادي اليومي، من جهة، والأسفار الدولية والتحركات صوب مناطق استخراج المحروقات، من جهة أخرى”.

“ما يغريني أكثر، وسط الالتزامات التي تهمني في الفترة الراهنة، هو الانخراط في النقاشات المستمرة مع الشركات العالمية الناشطة في ميدان المحروقات، وذلك يجعلني أستفيد وكل الفريق الذي يعمل معي، وأحرص على بذل جهود في توفير ما يتلاءم وهذا الجدل حول كيفيات العمل، وهذا يعني الانفتاح دوما على التعلم والإبداع في الوصول إلى نتائج لكل الأطراف باستمرار”، يعلن محمد الحليمي.

الرفقة الإيجابية

يوصي الحليمي المقبلين على الهجرة إلى اسكندنافيا أو الدنمارك بقوله إن حياة ذي الأصل الأجنبي، كالجميع أينما كانوا، لا تعرف وجودا لسهولة مطلقة، إنما من يعمل على تحقيق أي مبتغى سيناله في الأخير، طال الزمن أو قصر.

ويعتبر المنتسب إلى صفوف “مغاربة العالم” أن التعثر لا يمكن أن يكون عيبا إذ قام المرء ببذل كل ما لديه، إنما الخزي يلازم من ساير الحياة دون أي فعل، حتى وإن قادته الصدفة إلى تحقيق ألمع النجاحات.

“بعد حصولي على شهادة الباكالوريا كانت مع أصدقاء يفاضلون بين التكوينات الجامعية بناء على مدى السهولة في الحصول على الدبلومات، وهو أمر لم أحبذه .. وأوصي المنخرطين في تجارب هجرة بأن يجتهدوا أكثر من غيرهم، ومن الأفضل أن يحيطوا أنفسهم بأشخاص محفزين على الجد”، يختم محمد الحليمي.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-