أخر الاخبار

النيلة: تتويج "الرحلة العجيبة" مستحق .. والقصة القصيرة مسقط رأسي

النيلة: تتويج "الرحلة العجيبة" مستحق .. والقصة القصيرة مسقط رأسي

 النيلة: تتويج "الرحلة العجيبة" مستحق .. والقصة القصيرة مسقط رأسي

فاز الكاتب المغربي عبد اللطيف النيلة بجائزة “كتارا” في فئة رواية الفتيان عن روايته “الرحلة العجيبة إلى الحمراء”، في الدورة الثامنة لجائزة الرواية العربية التي نظمتها المؤسسة العامة للحي الثقافي “كتارا” على هامش احتفال منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بإطلاق “الأسبوع العالمي للرواية” خلال الفترة من 13 إلى 20 أكتوبر الماضي بمقرها بالعاصمة الفرنسية باريس، لأول مرة في تاريخ جوائز الرواية العربية.

وبهذه المناسبة، يتحدث عبد اللطيف النيلة، الروائي المراكشي الحاصل على الإجازة في الآداب والعلوم الإنسانية، في الحوار التالي مع هسبريس عن هذا الاستحقاق.

دأبت على كتابة القصة القصيرة وفزت بفضل الرواية، فهل تجاوزت العجز عن وضع تصميم كلي للرواية؟

القصة القصيرة مسقط رأسي الأدبي وجنسي الأثير، أنجزت فيها لحد الآن خمس مجموعات قصصية، وحزت بفضلها على العديد من الجوائز، من قبيل “جائزة الشارقة للإبداع العربي”. لكن الرواية ظلت حلما يراودني، أكرس لها جل وقت قراءتي، وحاولت مرارا كتابتها، منذ سن السابعة عشرة، فحين يخطر ببالي مشروع رواية، أعكف بحماس على ترجمته على الورق، إلا أني بعد تسويد صفحات تتراوح بين الثلاثين والأربعين صفحة أجدني واقعا في مأزق؛ تتشعب الوقائع، وتتكاثر الشخصيات، وأتيه في التفاصيل، فأبدأ في فقدان السيطرة على عالم الرواية.

وحين تأملت تجربة إخفاقي في استكمال مشاريع رواياتي، تبين لي أني لم أكن أضع تصميما كليا يشكل خارطة أسترشد بها في تحبير فصول الرواية. هكذا شرعت في التفكير مليا في مشروع الرواية، وتصور خطاطة عامة لأحداثها وشخصياتها وإطاريها الزمكانيين، قبل تنزيلها على أرض الكتابة. فأتيح لي، قبل سنوات، أن أتخيل قصة فتى يهاجر بلدته أغمات إلى مراكش، في عصر غابر، راميا إلى خوض مغامرة يحقق فيها ذاته، فتعترض سبيله عقبات يجهد لتخطيها. لم تجاوز القصة الثلاثين صفحة، لكني عدت إليها مؤخرا، فأعدت النظر فيها؛ عدلت أحداثا، وتمهلت في بسط تجربة الشخصية الرئيسة في مدينة مراكش، فاستقامت “الرحلة العجيبة إلى الحمراء” في ما يتعدى التسعين صفحة (ما يقارب 15 ألف كلمة).

ما هي في نظرك العوامل الكامنة وراء فوز روايتك بجائزة “كتارا”؟

فازت “الرحلة العجيبة إلى الحمراء” بالجائزة في فئة رواية الفتيان بناء على قرار لجنة “كتارا”، وفقا لمعايير نقدية، أراها نزيهة، لا تحيز فيها ولا محاباة؛ فاللجنة تقرأ النص بمعزل عن صاحبه، حتى إن قائمة الكتب الحائزة على الجائزة في الدورة الثامنة من مختلف البلدان العربية ضمت أربعة أعمال مغربية (ثلاثة في النقد، وواحد في الرواية). وإذا كان بمستطاعي أن أشير إلى بعض المقومات التي عزّزت حظوظ روايتي للفوز بجائزة “كتارا”، فإني أقول:

إن رواية “الرحلة العجيبة إلى الحمراء” تتسم بكونها:

– نصاً عضوياً تتضافر عناصره، من بدايته إلى نهايته، في ثلاثين فصلا، لتشكيل عالم شخصيتها الرئيسة الفتى “زياد”، وهو يجترح الهجرة من بلدته “أغمات” إلى مدينة الحمراء “مراكش”. ولعل أبرز تجل لهذه السمة هو كون وقائع الفصول الأولى من الرواية لا ينجلي غموضها ولا تجد تفسيرا لها إلا مع قطع أشواط في قراءة الرواية.

– عملاً يُشغِّل مبدأ الفعل والتوتر، بحيث يستثير لدى المتلقي شوقا إلى التهامه كله بمجرد أن يشرع في قراءة سطوره الأولى. فأحداث الرواية تنطلق عبر مشهد حركي، كما لو كانت فيلما يعرض على الشاشة، لتتوالى في تصاعد بحيث إن نهاية كل فصل تُسْلِمُ القارئ إلى بداية الفصل الذي يليه، بحثا عن الإمتاع والإشباع.

-قصةً متخيلةً تمزج بين الواقعي والعجائبي، فهي تستلهم خبرتي بالحياة لتبلور صورةً توهِمُ بواقعية الشخصيات والأحداث والفضاءين المكاني والزماني، لكنها تنفتح على ما هو عجيب ومستحيل من منظور الواقع، فتوظف عناصر حكائية تنتهك سنن الواقع، وتبتدع فضاء مدهشا تُجرى داخله تجاربُ علمية متخيلة.

– دفاعاً فنّياً عن قيم الخير والحق والجمال، فهي تنتصر، بأسلوب تصويري غير تقريري، لقيم إنسانية سامية مثل الشهامة وحس المسؤولية والصدق والصداقة والحب والعدل وبرّ الوالدين، فضلا عن الإشادة بالقراءة والبحث والمعرفة، كما أنها تمتدح، بأسلوب إيحائي عارٍ من المباشرة، قيم الجمال في الطبيعة والثقافة، سواء كانت صنعة أم فنا.

– استثماراً فنّياً للحكاية والمثل والحكمة والنكتة واللغز، وتوسلا بأدوات القص المختلفة، من سرد ووصف وحوار ومونولوج واسترجاع… كل ذلك يتمظهر في نسيج متوازن، يؤازر بعضه بعضا.

ولعلي وُفِّقتُ إلى إنتاج رواية تراعي، قدر الإمكان، شروط الكتابة للفتيان، بدءا بمراعاة ملاءمة الموضوع للقراءة، مرورا بسلاسة اللغة، ناهيك عن تشكيلها تيسيرا للقراءة، وصولا إلى تطعيم النص بمحفزات تثير شهية المتلقي لتتبع أحداثه إلى نهايتها.

تتيح الرواية مجالا أوسع للتكيف مع راهن الواقع الذي تتناوله، كيف ترى ذلك؟

اخترت لروايتي “الرحلة العجيبة إلى الحمراء” مسرحا يقوم جزء منه في بلدة أغمات ومعظمه في مدينة مراكش، بينما أجريت الأحداث في زمن قديم لم أعينه على وجه التحديد، وإنما وسمته بمظاهر سابقة على العصر الحديث، كاستعمال الدواب والعربات في التنقل، والسيوف كسلاح. وقد أتاح لي النطاقُ الواسع للرواية توظيفَ أكثر من عشر شخصيات تساهم في مجرى الأحداث (زياد، أحمد، علي، الشيخ الوقور، الحلائقي، هاشم، البحثاوي…)، وتنويعَ الفضاءات (الغابة، الفندق، السوق، ساحة جامع الفناء، حي القصبة، سجن أبو المهاريس، المختبر، البستان…)، وتشعيب الوقائع (إنقاذ الشيخ الوقور، السفر إلى مراكش، البحث عن عمل، الانخراط في تجارب علمية، الاعتقال…). وعلى هذا النحو، كان بوسعي أن ألقي ضوء كاشفا على الشخصية الرئيسة في أبعادها المختلفة، مبرزا سيرورة هجرتها بما صاحبها من تفاعل وجداني وعقلي مع الوقائع والأشخاص والمحيط الخارجي.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-