أخر الاخبار

السيكولوجي أحرشاو يقارب مقومات اضطراب طيف التوحد لدى أطفال مغاربة

السيكولوجي أحرشاو يقارب مقومات اضطراب طيف التوحد لدى أطفال مغاربة

 السيكولوجي أحرشاو يقارب مقومات اضطراب طيف التوحد لدى أطفال مغاربة

قال الكاتب والسيكولوجي الغالي أحرشاو إن “اضطراب طيف التوحد الذي يمثل نوعا من القصور في الوظائف المعرفية العليا ذات الطبيعة البيولوجية، حتى وإن كان بفعل تجلياته المتعددة وتشخيصه المتنوع يندرج في فئة الاضطرابات الكاسحة للنمو ويتذبذب بين المرجعيتين الفطرية والبيئية حسب التصنيف الأمريكي للأمراض الذهنية (DSM-5)، فهو يشكل في المقاربة التي نتبناها نوعا من الاختلال في علاقات الشخص التوحدي بأسرته ومحيطه وتعلماته واهتماماته وأساليب تواصله”.

وأضاف أحرشاو، في مقال له بعنوان “مقومات اضطراب طيف التوحد لدى أطفال مغاربة”، أنه يمكن التعبير عن مقومات تشخيص اضطراب التوحد من خلال بعدين أساسيين، أولهما يهم معايير التشخيص التي تجسدها سلوكيات نمطية: حركات الجسم والكلام واستعمال الأشياء والمحدودية في التواصل الإنساني والتفاعل الاجتماعي… وثانيهما يخص درجات الحِدَّة التي تتراوح بين المستوى الخفيف الذي يتطلب مساعدة محدودة، والمستوى المتوسط الذي يستدعي مساعدة هامة، ثم المستوى العميق الذي يستوجب مساعدة مكثفة”.

هذا نص المقال:
الأكيد أن اضطراب طيف التوحد Trouble du spectre de l’autisme الذي يمثل نوعا من القصور في الوظائف المعرفية العليا ذات الطبيعة البيولوجية، حتى وإن كان بفعل تجلياته المتعددة وتشخيصه المتنوع يندرج في فئة الاضطرابات الكاسحة للنمو ويتذبذب بين المرجعيتين الفطرية والبيئية حسب التصنيف الأمريكي للأمراض الذهنية (DSM-5)، فهو يشكل في المقاربة التي نتبناها نوعا من الاختلال في علاقات الشخص التوحدي بأسرته ومحيطه وتعلماته واهتماماته وأساليب تواصله. فرغم تعدد تعاريفه واعتباره أحيانا كأحد أعراض الفصام المتمثل في الهروب من الواقع، وأحيانا أخرى كأحد مظاهر الانطواء على الذات والابتعاد عن الواقع، فهو يشكل بصورة عامة اضطرابا عصبيا نمائيا، يبدأ في الظهور خلال الطفولة المبكرة ويرجح أن يكون له أصل وراثي. وهو يصيب حوالي 1 بالمائة من ساكنة مختلف مناطق العالم بغض النظر عن الانتماء الجغرافي أو العرقي أو الديني أو اللغوي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي. وفي حالة المغرب لا توجد حتى الآن معطيات علمية أو رسمية حول نسبة انتشاره، رغم أن كثيرا من مؤشرات النسبة المئوية السابقة بدأت تفرض نفسها بفعل عوامل الكشف الاستباقي والتشخيص المبكر والدمج المدرسي.

بالعودة إلى الأدبيات العلمية يمكن التنصيص على أنه إذا كانت الأعراض الأساسية لهذا الاضطراب تتلخص في محدودية القدرة على التفاعل الاجتماعي والتواصل الإنساني والخيال الفكري، فإن أنواعه الرئيسية تتحدد أولا في التوحد الطفولي لصاحبه Leo kanner (1943)، الذي يتميز بأعراض الانعزال والانطواء ورفض التفاعل والتواصل، فضلا عن نمطية السلوك وتكراره. وثانيا في توحّد أسبيرجير لصاحبه Hanz Asperger (1944)، الذي تتلخص أعراضه في الحساسية الزائدة تجاه الأصوات، وفي صعوبة استيعاب القواعد الاجتماعية وربط علاقات مع الغير. وثالثا في توحّد ريت لصاحبه ريت Rett (1966)، الذي يشكل اضطرابا معرفيا من أصل وراثي غالبا ما يفضي إلى إعاقة متعددة وعجز معرفي حاد، ويصيب الإناث أكثر من الذكور على عكس النوعين الأول والثاني اللذين يصيبان الذكور بأربعة أضعاف من الإناث. أما أسباب التوحد الفعلية فهي لا تزال غير محددة بالشكل النهائي، إذ نجدها تتراوح بين عوامل بيولوجية وراثية بنسبة 51 بالمائة في صفوف التوائم المتطابقة تترجمها تشوهات خلقية في وظيفة الدماغ وخلل في جهاز الإدراك والمناعة واللغة والحس العصبي، وعوامل نفسية تتمثل في فقدان الطفل الإحساس بالحب والحنان نتيجة التفكك العائلي والإهمال الوالدي والتعامل الميكانيكي البارد، وعوامل بيوكيميائية عبارة عن اختلالات في الأجهزة العصبية ينتج عنها تأخر في النضج وقصور في الفهم واضطراب في عمل نصف الدماغ الأيسر وفي كفاءة الجهاز المناعي للجسم، ثم عوامل بيئية مثل الإنجاب في سن متأخرة والولادة المبكرة والوزن المنخفض للمولود. وعادة ما تصاحب هذه الأسباب بنواقص حسية وحركية وذهنية ولغوية وباضطرابات عصبية ونفسية متنوعة.

وفيما يتعلق بأهم مقومات تشخيص اضطراب التوحد، الذي يستغرق بعض الوقت بفعل اعتماده على فريق متعدد التخصصات ومتنوع الأدوات (ملاحظة، فحص طبي، استبيان، مقابلة، اختبارات نفسية)، يمكن التعبير عنها من خلال بعدين أساسيين: أولهما يهم معايير التشخيص التي تجسدها سلوكيات نمطية: حركات الجسم والكلام واستعمال الأشياء والمحدودية في التواصل الإنساني والتفاعل الاجتماعي. فهذه الأعراض وغيرها، التي تبدأ في الظهور خلال الطفولة المبكرة، غالبا ما تكون لها انعكاسات سلبية على الأداءات الاجتماعية والمدرسية والمهنية للمصاب. وثانيهما يخص درجات الحِدَّة التي تتراوح بين المستوى الخفيف الذي يتطلب مساعدة محدودة، والمستوى المتوسط الذي يستدعي مساعدة هامة، ثم المستوى العميق الذي يستوجب مساعدة مكثفة. والأكيد أن تشخيص هذا الاضطراب، وإن كان لا يزال يشكل عندنا في المغرب شأنا طبيا ويفتقر إلى معايير التدخل المبكر وروح الفريق المتكامل والمؤشرات الإكلينيكية الواجبة الاعتماد في بناء النموذج العلاجي القمين بمساعدة المصاب على تحقيق التوافق النفسي والمدرسي والاندماج الاجتماعي والمهني، فقد أضحى يعرف في السنوات الأخيرة إقبالا لا بأس به من لدن عدد من الأسر والجمعيات والمؤسسات والإدارات. وهو الإقبال الذي يجسده من جهة تواجد بعض المراكز والأطباء والأخصائيين النفسانيين المعنيين بالتوحد، ومن جهة أخرى تنصيص وزارات الصحة والتربية الوطنية والتضامن والأسرة على الاهتمام بمختلف أصناف الإعاقات وفي مقدمها: الإعاقة الذهنية، طيف التوحد، الشلل الدماغي الحركي، الإعاقات السمعية والبصرية ثم اضطرابات التعلم مثل عسر القراءة والكتابة والحساب.

في الختام نشير إلى أنه إذا كنا لا نتوفر حتى الآن في المغرب على وثيقة قانونية شاملة تتحدث عن الاضطرابات النفسية العصبية كمرجعية للتشخيص وفق معايير التصنيفات الدولية (DSM5 وCIM)، فإننا لا نستبعد أن لاضطراب طيف التوحد كواحد من تلك الاضطرابات انعكاسات سلبية على المصاب في علاقته بأسرته والمجتمع عامة. وهي انعكاسات غالبا ما تترجمها مظاهر التعثر الدراسي لهذا الأخير بفعل محدودية كفاءاته الاجتماعية والتواصلية وصعوبات في التخطيط والتنظيم والاستقلالية والتعامل مع الوضعيات الجديدة، فضلا عن نمطية سلوكياته الرافضة للتغيير ولتنويع الاهتمامات والأنشطة. والحقيقة أنه إذا كان تشخيص هذا الاضطراب يستوجب تعاون فريق متكامل التخصصات، فإن إجراءات التدخل والعلاج التي نوصي باعتمادها من خلال المدخلين التاليين هي تلك التي تستدعي توفر، على الأقل، ثلاثة أنواع من الأعراض تهم على التوالي: عجز التواصل الاجتماعي، شيوع السلوكيات النمطية، محدودية الاهتمامات الاجتماعية.

يتعلق المدخل الأول بإجراءات الوقاية والتوعية التي تتلخص في الكشف المبكر وفي تجويد ظروف حياة الأم الحامل وعدم تعرضها للضغوط والتلوث وإدمان الكحول والمخدرات، مع بلورة صيغ استباقية للتواصل أولا مع أكبر عدد من المغاربة قصد تحسيسهم بمواجهة الأفكار المغلوطة حول هذا الاضطراب، وللتدخل ثانيا لدى الآباء والمدرسين وأطباء الأطفال، بوصفهم يمثلون الأطراف المتعاملة مع الحالة المعنية، قبل عرضها على أي فريق متخصص من أجل التشخيص والتكفل.

ويرتبط المدخل الثاني بإجراءات التأهيل وإعادة التربية، التي تتلخص أولا في التدخل المبكر المبني على خطط وبرامج من النوع السلوكي والمعرفي والتربوي، تؤدي في الغالب إلى تجويد المستقبل المعرفي والانفعالي والاجتماعي للمصاب. وتكمن ثانيا في تمكين هذا الأخير من الاستراتيجيات الملائمة للتكيف مع الحياة اليومية عبر التخفيف من الجهد والعناء في التعامل مع الناس والمواعيد والمهام والإكراهات المختلفة. وتتمثل ثالثا في اعتماد خطط للتربية المعرفية قوامها تصحيح علاقات الطفل التوحدي مع أسرته ومحيطه وتعلماته وتدريبه على التدبير الجيد لانفعالاته ومشاكله عبر استخدام تقنيات تحليل السلوك التطبيقي، ونماذج التدخل المبكر مثل نموذج Model Denver Start Early (ESDM)، ثم برامج تعليم الأطفال التوحديين مثل برنامج TEATCCH.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-